
يُعد كتاب The Routledge Companion to Epistemology صرحاً معرفياً مهيباً، فهو يمثل “خريطة طريق” متقنة للعقل التحليلي المعاصر في محاولته لسبر أغوار المعرفة. ومع ذلك، فإن القارئ لهذا المرجع الضخم، الذي يمتد لأكثر من ثمانمئة صفحة، يجد نفسه أمام مفارقة إبستيمولوجية صارخة: كيف يمكن لمرجع يدعي الإحاطة بنظرية المعرفة أن يحصر آفاقه في زاوية واحدة من العالم، متجاهلاً إرثاً بشرياً هائلاً من التقاليد الفلسفية غير الغربية؟
يقدم الكتاب مسحاً تاريخياً ومنهجياً يبدو، للوهلة الأولى، شاملاً. لكنه في جوهره يختزل الإبستيمولوجيا في أدوات المدرسة الأنجلو-أمريكية، حيث يهيمن المنطق الصوري وتحليل المفاهيم والردود اللانهائية على “إشكالية غيتيه Edmund Gettier “. إن هذا الحصر المنهجي يوحي ضمناً بأن المعرفة “صناعة غربية” خالصة، تبدأ من أثينا وتمر بباريس لتستقر في أوكسفورد وهارفارد.
إن استبعاد مساهمات الفلاسفة المسلمين، كتشريح الغزالي للسببية أو إشراقيات السهروردي، وكذلك تجاهل فلسفات الشرق الأقصى، ليس مجرد سقطة سهو؛ بل هو “استبعاد هيكلي مُتعَّمد” يكرس مركزية معرفية ترى في الآخر مجرد موضوع للدراسة، لا شريكاً في صياغة مفهوم “الحقيقة”.
يخصص الكتاب مساحة واسعة لنظرية “الشهادة” (Testimony) بوصفها مصدراً معرفياً اجتماعياً. وهنا يبرز تناقض مفاده أن العقل التحليلي إذا كان يعترف بأننا نستقي جلّ معارفنا من “شهادات” الآخرين، أفليس من الأجدر إبستيمولوجياً الإصغاء لـ “شهادة” الثقافات الأخرى حول تجاربها المعرفية؟
إن الدعوة إلى إبستيمولوجيا عالمية ليست مجرد ترف “تعددي” أو رغبة في التجميل الثقافي؛ بل هي ضرورة لترميم ما بالإمكان تسميته “بالعدالة الإبستيمولوجية”. إن تجاهل أنماط المعرفة النابعة من سياقات حضارية مختلفة هو إفقار للمجال المعرفي ذاته، وحرمان له من أدوات نقدية قد تكون هي المفتاح لحل معضلات يعجز القالب التحليلي الجامد عن فك شفراتها.
وبينما يصر الكتاب على خط زمني أحادي التطور، نحتاج اليوم إلى الانتقال نحو نموذج “الشبكة المعرفية”. فبدلاً من رؤية إبستيمولوجيا الفضيلة (Virtue Epistemology) كمنتج حديث للمدرسة التحليلية، لماذا لا نضعها في حوار مع مفاهيم “الحكمة” الشرقية أو “الأخلاق المعرفية” في التصوف الإسلامي؟
إن هذا التفاعل لا يلغي خصوصية المدرسة التحليلية، بل يحررها من عزلتها، ويحولها من “كاهن” يتحكم بالحقيقة إلى “عقدة” ضمن شبكة عالمية واسعة. إن الإبستيمولوجيا العالمية هي التي تدرك أن الحقيقة ليست ملكية حصرية للغة واحدة أو عرق واحد، بل هي أفق بشري مشترك.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن النقد الذي توجهه هذه المقالة لكتاب روتليج هو في الحقيقة دعوة لاستكمال بنائه، وليس هدمه. نحن بحاجة إلى “رفيق” حقيقي للبشرية، لا يكتفي بالإجابة على سؤال “كيف نعرف؟” داخل المختبر الفلسفي الغربي، بل يتجرأ على طرح سؤال: “من الذي يملك حق تقرير ما هي المعرفة؟”. إن التحرر المعرفي يبدأ من الاعتراف بأن العالم أوسع من أي مجلد، مهما بلغت ضخامته، وأن مستقبل نظرية المعرفة هو مستقبل “عالمي” بامتياز.
