
إذا نظرنا إلى مسألة تعامل وعي الإنسان مع “الفوضى”من زاوية الفيزياء، سنجد أن هناك قانوناً كونياً صارماً يُعرف بـ “القانون الثاني للديناميكا الحرارية”، والذي يحكمه مفهوم “الإنتروبيا”. هذا القانون يشير إلى أن أي نظام مغلق يميل طبيعياً نحو “التحلل” أو الانتقال من حالة النظام إلى حالة “التبدد” والطاقة غير المستغلة.
وهنا تبرز المعجزة والمفارقة في آن واحد:
- الحياة كـ “ثورة” ضد التحلل. فلقد وصف الفيزيائي الشهير “إرفن شرودنجر” الحياة بأنها كفاح مستمر ضد الإنتروبيا؛ فبينما يميل كل شيء في الكون إلى التشتت، تعمل الكائنات الحية (وعلى رأسها الإنسان) كـ “آلات لنشر النظام”. فنحن نأخذ المادة والطاقة ونحولها إلى هياكل معقدة وأفكار مرتبة ومدن شاهقة. فنحن نمثل “الإنتروبيا السالبة” (Negentropy)؛ أي القوة التي تقاوم الميل الكوني للبعثرة.
- صدمة “الفوضى” العلمية: ما يطلِق عليه الإنسان “فوضى” في الطبيعة، هو في الحقيقة عملية “تبدد حراري” أو تحول في الطاقة يسير وفق معادلات رياضية بالغة الدقة. لكن الوعي الإنساني، الذي جُبل على “صناعة النظام” وفرضه، يستشعر القلق عندما يرى المادة وهي تتحلل أو تتغير بشكل لا يخدم أغراضه. وهنا، يفسر الوعي هذا “الميل الطبيعي للتحول” على أنه عدو أو فوضى، بينما هو في الحقيقة “قانون التغيير” الذي وضعه الخالق لضمان سيرورة الزمن.
- العقل كـ “مصفي” للبيانات: يمتلك الإنسان عقلاً مصمماً للبحث عن “الأنماط” (Patterns). وحين يواجه العقل تدفقاً هائلاً من البيانات الكونية التي تفوق قدرته على التنظيم، فإنه يصاب بـ “عطب التفسير”. وفي هذه اللحظة، وبدلاً من أن يعترف العقل بمحدودية قدرته الاستيعابية، يقوم بـ “وسم” هذا التدفق الغزير بلقب “الفوضى”. لذا، فالعلم يؤكد لنا أن الفوضى هي مجرد “معلومات لم نجد لها نمطاً بعد”، أو هي الطاقة التي لم نستطع تدجينها داخل قوالبنا البشرية.
- المقاومة الوجودية: إن شعورنا بالفوضى هو ضريبة كوننا “كائنات منظِّمة” في عالم يتغير باستمرار. نحن نحاول “تجميد” اللحظة وبناء أنظمة خالدة في كونٍ بنيته الأساسية هي التحول. هذا التضاد بين “إرادة الإنسان للنظام” و “ديناميكية التحول الكونية” هو ما يخلق في وعينا وهماً يسمى الفوضى.
إن “الإنتروبيا” ليست دليلاً على العبث، بل هي الآلية التي تسمح بالنمو والحركة وتدفق الزمن. وبما أن الله تعالى هو الخالق المصور القيوم الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، فإن ما نراه “تحللاً” هو في جوهره إعادة تشكيل، وما نراه “فوضى إنتروبية” هو محض انتقال من طورٍ من أطوار النظام إلى طورٍ آخر أكثر تعقيداً وأبقى.
