
ثمة أفلام لا تقتصر قيمتها على بعدها الفني، بل تتحول، من حيث لا تقصد إلى ما يشبه التجارب الفكرية التي تكشف شيئاً عميقاً عن “الطبيعة البشرية”. ومن بين هذه الأعمال فيلم The Divide الذي يصوّر مجموعة من البشر يلجؤون إلى قبوٍ بعد كارثة نووية، ليجدوا أنفسهم بعد انقطاعهم عن العالم في مواجهة بعضهم بعضاً.
في ظاهر الأمر، تبدو الفكرة بسيطة: مجموعة من الأشخاص محاصرين في مكان مغلق مع موارد محدودة في ظروف ضغط نفسي شديد.
غير أن ما يحدث داخل هذا القبو يتجاوز بكثير ما يمكن أن نتوقعه من مجرد صراع على الموارد. فمع مرور الوقت، يتحول المكان إلى مسرحٍ لانفجارٍ متصاعد من العدوان والوحشية والاضطراب النفسي، إلى الحد الذي يبدو معه أن الإنسان لا يكتفي بالدفاع عن نفسه أو البحث عن البقاء، بل يميل إلى تدمير الآخر وإذلاله حتى حين لا يكون في ذلك أي منفعة واضحة للبقاء. وهنا تحديداً يظهر السؤال الذي يتجاوز حدود الفيلم نفسه: كيف يمكن تفسير هذا الانهيار السريع في السلوك الإنساني؟
لو حاولنا قراءة ما يحدث في هذا الفيلم ضمن الإطار الدارويني التقليدي، فسيكون التفسير الأقرب هو أن الشخصيات تتصرف وفق منطق المنفعة التطورية. ففي ظروف الندرة والتهديد، يصبح العنف وسيلةً لتعظيم فرص البقاء. وقد جرى بالفعل تفسير كثير من السلوك العدواني البشري في الأدبيات التطورية بوصفه امتداداً لسلوك الدفاع عن المجال الحيوي أو المنافسة على الموارد. غير أن هذا التفسير يصطدم في الفيلم بمشكلة واضحة. فالكثير من الأفعال التي ترتكبها بعض الشخصيات لا تعزز فرص البقاء إطلاقاً. بل على العكس، إنها تؤدي إلى تقويض النظام الداخلي للجماعة وإلى تدمير أي إمكانية للتعاون الذي يُعدّ، وفق المنطق التطوري، أحد أهم وسائل البقاء في الظروف القاسية. فالداروينية تستطيع أن تفسر الصراع على الموارد، لكنها تجد صعوبة أكبر في تفسير الانغماس في العنف والعبث والتعذيب حين لا يعود لذلك أي عائد تطوري واضح.
أما المقاربة الخَلقية، خصوصاً في صيغتها اللاهوتية، فإنها تميل إلى تفسير مثل هذه السلوكيات بوصفها تعبيراً عن فساد الطبيعة البشرية أو السقوط الأخلاقي للإنسان. فالإنسان، في هذا المنظور، مخلوقٌ حرّ الإرادة قادر على فعل الخير والشر. وما يحدث في الفيلم يمكن قراءته بوصفه انكشافاً للجانب المظلم في النفس البشرية عندما تسقط القيود الاجتماعية والقانونية. غير أن هذا التفسير، على الرغم من قيمته الأخلاقية، يبقى تفسيراً معيارياً أكثر منه تحليلياً. فهو يصف السلوك بأنه شر أو انحراف، لكنه لا يقدّم إطاراً تفسيرياً واضحاً لكيفية نشوء هذا النمط من العدوان غير المنضبط. وبعبارة أخرى، فإنه يفسر ما يحدث بوصفه “خطيئة”، لكنه لا يفسر الآلية النفسية والمعرفية التي تجعل هذا الانهيار ممكناً بهذه السرعة.
أما المقاربة الميتابايولوجية فإنها تنظر إلى ما يحدث في الفيلم من زاوية مختلفة تماماً. فالإنسان، وفق هذه الرؤية، لم يعد بعد الانعطافة التطورية الأولى، كائناً يستجيب مباشرةً للواقع كما تفعل سائر الكائنات الحية، بل أصبح كائناً يعيش داخل “تمثّلاته” عن الواقع. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الخطر مجرد حدثٍ فعلي، بل أصبح احتمالاً “متخيلاً”. وهنا يكمن أحد أهم التحولات في البنية السلوكية للإنسان، فالعدوان لم يعد استجابة مباشرة لتهديدٍ قائم، بل أصبح استجابة لصور ذهنية عن تهديدٍ قد يقع. وفي فضاء مغلق مثل القبو في الفيلم، حيث يسود الغموض والخوف وانعدام اليقين، تبدأ هذه التمثلات بالتضخم. فالآخر لا يُرى بوصفه شريكاً محتملاً في البقاء، بل بوصفه تهديداً كامناً. ومع تضخم الشك والارتياب، يصبح العنف وسيلةً وقائية ضد خطرٍ قد لا يكون موجوداً أصلاً.
وهكذا يتحول المكان شيئاً فشيئاً إلى ما يشبه مختبراً لانفجار “التمثلات العدائية”. فما نشهده في الفيلم ليس مجرد صراع على الموارد، بل انهياراً تدريجياً للنظام الإدراكي الذي يضبط العلاقة بين التهديد الحقيقي و”التهديد المتخيَّل”. ومن هنا تبدو كثير من السلوكيات التي تظهر في الفيلم “غير عقلانية” من منظور البقاء البايولوجي. لكنها تصبح مفهومة إذا أدركنا أن الإنسان، بعد تلك الانعطافة التطورية، أصبح قادراً على أن يتصرف وفق عوالم ذهنية “منفصلة” عن الواقع الفعلي.
وبهذا المعنى، يمكن قراءة القبو في الفيلم لا على أنه مجرد مكانٍ مادي، بل استعارة عن وضع الإنسان نفسه في العالم. فالإنسان يعيش دائماً داخل فضاءٍ من التمثلات والتوقعات والظنون، وهو فضاء قادر على تضخيم الخوف والعداء إلى حد يفوق بكثير ما تفرضه شروط الواقع الفعلي. وهنا يتبين أن ما يبدو في الفيلم انحرافاً شاذاً قد يكون في الحقيقة تعبيراً مكثفاً عن إحدى الخصائص العميقة للإنسان بعد خروجه على نظام الطبيعة. فالإنسان ليس أخطر الكائنات لأنه أكثرها قوة، بل لأنه الكائن الوحيد القادر على أن يخوض صراعاتٍ مدمرة من أجل أشياء لا وجود لها إلا في ذهنه.
