التسويف البشري… حين خرج الإنسان على اقتصاد الطبيعة

من بين الصفات الكثيرة التي تميّز الإنسان عن الحيوان، ثمة صفة تبدو في ظاهرها عارضة أو نفسية بسيطة، لكنها في حقيقتها تكشف عن خلل عميق في البنية المعرفية والسلوكية للإنسان. وهذه الصفة هي التسويف؛ أي ميل الإنسان إلى تأجيل ما ينبغي فعله الآن إلى وقتٍ لاحق يتخيّل أنه سيكون فيه أكثر استعداداً أو قدرة أو تركيزاً على القيام به.
ولعلّ المفارقة أن هذا الوقت الموعود نادراً ما يأتي. فالعمل المؤجَّل اليوم لا ينتقل في الغالب إلى حيّز الإنجاز غداً، بل ينضمّ إلى سلسلة طويلة من الأعمال المؤجَّلة التي تتراكم في حياة الإنسان حتى تصبح جزءاً من نمط وجوده نفسه.
غير أن ما يبدو للوهلة الأولى مشكلةً نفسية أو سلوكية فردية، يمكن النظر إليه من زاوية أعمق بوصفه أثراً مباشراً لما يمكن تسميته الانعطافة التطورية الأولى في تاريخ الإنسان. فهذه الانعطافة لم تغيّر أدوات الإنسان فحسب، بل غيّرت أيضاً علاقته بالزمن وبالفعل.
لو تأملنا عالم الحيوان، لوجدنا أن سلوك الكائنات الحية تحكمه قاعدة تكاد تكون مطلقة يمكن تسميتها بـ “اقتصاد الطبيعة”.فالفعل الحيواني يحدث في اللحظة التي تقتضيه فيها الضرورة الحيوية. فالحيوان يجوع فيبحث عن الطعام، ويتعب فيستريح، ويشعر بالخطر فيهرب أو يقاتل. ولا يبدو أن هناك مسافة زمنية فاصلة بين الحاجة والفعل. فالطبيعة، في اقتصادها الصارم، لا تعرف التسويف. فالحاجة تستدعي الفعل مباشرة، والفعل يستجيب للحاجة.
ومن هنا فإن الحيوان لا يؤجل عمل اليوم إلى الغد. بل إن هذا السؤال نفسه لا معنى له في عالم الحيوان، لأن الفعل فيه مرتبط بضرورته المباشرة. أما الإنسان، فقد أصبح بعد تلك الانعطافة التطورية كائناً يعيش في زمنٍ مركب. فهو لا يعيش في الحاضر وحده، بل في شبكة معقدة من الأزمنة المتخيلة: ماضٍ يعاد تفسيره باستمرار، ومستقبلٍ يُعاد تأجيله بلا نهاية. ومن هنا نشأت ظاهرة التسويف. فالإنسان لا يقول: “سأفعل الآن ما ينبغي فعله”، بل يقول: “سأفعل ذلك لاحقاً حين أكون أكثر استعداداً.”
غير أن هذه الجملة تخفي مفارقة دقيقة. فالإنسان، في لحظة التسويف، لا يكتفي بتأجيل الفعل، بل يخترع زمناً مثالياً متخيلاً يتوقع أن يكون فيه أفضل حالاً مما هو عليه الآن. وهكذا يصبح المستقبل ملاذاً نفسياً يهرب إليه الإنسان من مواجهة الحاضر.
فلو كان التسويف مجرد ضعفٍ في الإرادة، لكان من الممكن تفسيره تفسيراً أخلاقياً بسيطاً. غير أن انتشاره الواسع في حياة البشر يوحي بأنه أعمق من مجرد عيب فردي. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يؤجل الفعل رغم إدراكه لضرورته. وهذه القدرة لا نجد لها نظيراً في عالم الحيوان. والسبب في ذلك أن الحيوان يعيش داخل نظام الطبيعة مباشرة، بينما يعيش الإنسان بعد تلك الانعطافة التطورية في مسافة معرفية تفصل بينه وبين الفعل. فهو لا يتصرف فقط وفق ما تقتضيه الحاجة، بل وفق ما يتصوره عقله عن الزمن المناسب للفعل. ومن هنا أصبح الإنسان قادراً على أن يقول لنفسه: “ليس الآن… بل لاحقاً”. وهذه القدرة نفسها، التي تبدو في ظاهرها علامة على الحرية، هي التي جعلت الإنسان يقع في مفارقة التسويف.
ولهذا السبب ليس من المستغرب أن نجد في التراث الإنساني نصائح أخلاقية متكررة من قبيل: “لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد.” فهذه النصيحة، على بساطتها، تكشف مفارقة عجيبة في موقع الإنسان داخل الطبيعة. فما يقوم به الحيوان غريزةً وبلا تفكير، يُطالَب الإنسان بأن يفعله عمداً وبمجاهدة. فالحيوان لا يحتاج إلى حكمة كي يتجنب التسويف، لأنه لم يخرج أصلاً على اقتصاد الطبيعة. أما الإنسان، فقد خرج على هذا الاقتصاد منذ اللحظة التي أصبح فيها قادراً على تخيّل زمنٍ آخر للفعل غير الزمن الذي تفرضه الحاجة.
ومن هنا أيضاً نفهم ظاهرة مألوفة في الحياة البشرية: قائمة الأعمال المؤجلة التي تكبر باستمرار. فالإنسان لا يؤجل عملاً واحداً فحسب، بل يؤجل أعمالاً كثيرة، إلى الحد الذي يصبح فيه التأجيل نفسه أسلوباً للحياة. والنتيجة أن الإنسان يعيش في مفارقة زمنية غريبة: فهو محاط بأعمال ينبغي أن تُنجز، لكنه يعيش دائماً في انتظار اللحظة المثالية التي يعتقد أنها ستأتي لاحقاً. لكن تلك اللحظة المثالية لا تأتي.
وهكذا تكشف ظاهرة التسويف عن جانب خفي من التحول الذي أصاب الإنسان بعد الانعطافة التطورية الأولى. فهذه الانعطافة لم تمنحه القدرة على التفكير المجرد والتخطيط فحسب، بل فتحت أيضاً الباب أمام اختلال في علاقته بالفعل والزمن.
فالإنسان أصبح الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يؤجل ما يعرف أنه ينبغي أن يفعله.
وبهذا المعنى، فإن التسويف ليس مجرد عادة سيئة، بل أثر جانبي للحرية المعرفية التي اكتسبها الإنسان حين خرج عن اقتصاد الطبيعة. فالطبيعة لا تسوّف. أما الإنسان، فقد أصبح الكائن الذي يعيش دائماً بين ما يجب فعله الآن، وما يؤجله إلى غدٍ لا يأتي.

أضف تعليق