التعايش الخفي… حين لا تزول المراحل بل تختبئ

من أكثر الأوهام رسوخاً في الطريقة التي يفكر بها الإنسان عن نفسه وعن التاريخ وعن المعرفة، وهمُ التعاقب الميكانيكي للمراحل. فالعقل البشري يميل إلى تصور الزمن وكأنه سلسلة من الاستبدالات الحادة والمنفصلة: مرحلة تأتي فتلغي ما قبلها، ونظام يحلّ محل نظام آخر فيزيحه تماماً من الوجود. وكأن التاريخ يعمل وفق منطق الإزالة لا وفق منطق التراكم.
غير أن التأمل الأعمق في بنية الظاهرة الإنسانية يكشف أن هذا التصور مبسّط إلى حد بعيد. فالمراحل في حياة الإنسان، وفي تاريخ الفكر، لا تزول في الغالب زوالاً نهائياً. بل إنها تميل إلى البقاء في شكلٍ آخر، أكثر خفاءً وأقل ظهوراً. فهي لا تختفي بقدر ما تدخل طوراً من الكمون والاستتار، لتستمر في ممارسة تأثيرها الخفي داخل البنية اللاحقة. ومن هنا يمكن الحديث عن ظاهرة يمكن تسميتها “التعايش الخفي” بين المراحل.
ويقصد بالتعايش الخفي ذلك النمط من البقاء غير المرئي الذي تحتفظ فيه مرحلة سابقة بحضورها داخل مرحلة لاحقة، من دون أن تكون ظاهرة للوعي المباشر. فهي تبقى كامنة في الطبقات العميقة للبنية النفسية أو المعرفية، وتستمر في التأثير على السلوك والتفكير، حتى حين يتوهم الإنسان أنه قد تجاوزها نهائياً.
ولعل أوضح مثال على هذا التعايش الخفي نجده في علم النفس. فحين ينتقل الإنسان من الطفولة إلى المراهقة، ثم إلى الشباب فالرشد، يبدو وكأن كل مرحلة تحل محل الأخرى. غير أن هذا الانطباع لا يعكس حقيقة ما يجري في العمق.
فالطفولة، في الواقع، لا تختفي من الشخصية البشرية عند دخول مرحلة المراهقة؛ فهي لا تُمحى من الوجود، بل تستقر في طبقات أعمق من النفس. وتظل آثارها حاضرة في ردود الأفعال وفي الحساسية العاطفية، وفي كثير من الأنماط اللاواعية للسلوك. وحتى الإنسان الذي يبدو في أقصى درجات الرشد لا يخلو من بقايا الطفل الذي كانه يوماً. ولهذا ليس من الدقة القول إن الإنسان “يتجاوز” طفولته. فالأصح أنه يحملها معه في صورة متحولة. فهي لا تزول، بل تعيد تنظيم نفسها داخل بنية أكثر تعقيداً.
والأمر نفسه يصدق على المراحل الأخرى من العمر. فالمراهقة لا تختفي تماماً عندما يدخل الإنسان مرحلة الشباب، بل تبقى كامنة في شكل ميول أو حساسيات أو نزعات معينة. وهكذا تبدو الشخصية البشرية وكأنها طبقات متراكبة من المراحل السابقة، لا سلسلة من المراحل التي يمحو بعضها بعضاً.
وإذا انتقلنا من علم النفس إلى تاريخ الأفكار، وجدنا أن الأمر لا يختلف كثيراً. فالتصور الشائع في الثقافة الحديثة يقول إن التفكير الإنساني قد مرّ بمراحل متعاقبة: مرحلة التفكير السحري ثم المرحلة الدينية ثم المرحلة العلمية. وكأن كل مرحلة جاءت لتقضي نهائياً على ما قبلها. غير أن الواقع أكثر تعقيداً بكثير من هذا المخطط المبسّط.
فالتفكير السحري لم يختفِ حين ظهر التفكير الديني. بل استمر في أشكال عديدة داخل البنية الدينية نفسها، سواء في الممارسات الشعبية أو في بعض أنماط التأويل. وكذلك لم يختف التفكير الديني مع صعود التفكير العلمي. فالعلم الحديث، على الرغم من قوته التفسيرية، لم يستطع أن يلغي حضور البعد الديني في حياة البشر. بل إن ما نراه في الواقع هو أن الأنماط الثلاثة من التفكير تتعايش معاً بدرجات مختلفة داخل العقل البشري المعاصر. فالإنسان الذي يستخدم أكثر الأدوات العلمية تقدماً قد يلجأ في مواقف أخرى إلى أنماط من التفكير لا تختلف كثيراً عن التفكير السحري. وقد يستند في قراراته الوجودية الكبرى إلى منظومة دينية أو ميتافيزيقية. وهكذا يبدو تاريخ الفكر البشري أقرب إلى طبقات معرفية متراكبة منه إلى مراحل متعاقبة تلغي إحداها الأخرى.
ولكن كيف ينشأ وهم إزالة المراحل السابقة؟ ينشأ هذا الوهم من ميل العقل البشري إلى تبسيط الظواهر المعقدة. فنحن نحب أن نعتقد أن الأشياء تعمل وفق منطق واضح يتمثل في ما نلاحظه في الواقع من زوال شيء بمجيء شيء بعده. غير أن الظاهرة الإنسانية لا تخضع غالباً لهذا المنطق الميكانيكي. فالإنسان ليس آلة تستبدل أجزاءها القديمة بأخرى جديدة. بل هو كائن تتراكم في داخله الخبرات والمراحل والأفكار، فتتشكل شخصيته وتفكيره من تفاعل هذه الطبقات المتعددة. ولهذا فإن كثيراً مما نظنه “زوالاً” ليس في الحقيقة سوى انتقال من الظهور إلى الكمون. فالمرحلة السابقة لا تختفي، بل تتراجع إلى الخلفية، حيث تستمر في التأثير بصمت.
إن فهم هذه الظاهرة يفتح الباب أمام قراءة مختلفة للإنسان ولتاريخ الأفكار معاً. فبدلاً من النظر إلى التاريخ بوصفه سلسلة من “القطوعات” الحادة، يمكن النظر إليه بوصفه شبكة معقدة من التعايشات الخفية بين مراحل متعددة. فالقديم لا يموت دائماً حين يولد الجديد. وفي كثير من الأحيان، لا يكون الجديد إلا إعادة تنظيم لما سبقه ضمن بنية أكثر تعقيداً. ومن هنا يمكن القول إن البقاء والزوال في التركيبة البشرية ليسا حالتين متقابلتين بالبساطة التي نتخيلها. فكثير مما نظنه قد زال، ما يزال حاضراً في صورة خفية. وكثير مما نعتقد أننا قد تجاوزناه، لا يزال يعيش فينا بصمت، يعمل من وراء الكواليس، ويعيد الظهور كلما سنحت له الفرصة. وهكذا لا يبدو الإنسان كائناً ينتقل من مرحلة إلى أخرى تاركاً ماضيه خلفه، بل كائناً يحمل ماضيه معه دائماً، وإن كان في صورة لا يسهل على الوعي المباشر أن يلحظها.

أضف تعليق