
يس من الغريب أن تتطوّر المفاهيم الدينية عبر الزمن، فتكتسب طبقاتٍ من المعاني لم تكن حاضرةً بالضرورة في لحظة نزول النص المؤسِّس. غير أن المشكلة تبدأ حين تُنسَب هذه الطبقات اللاحقة إلى النص نفسه، وكأنها جزء أصيل من بنيته الدلالية. ومن بين أبرز الأمثلة على ذلك مفهوم العصمة كما استقر في علم الكلام. فالمتداول في الأدبيات العقدية أن الأنبياء معصومون من الخطأ والزلل، وأن هذه العصمة تمثل شرطاً لازماً لصدق الرسالة. غير أن العودة إلى القرآن نفسه تكشف مفارقة لافتة: فاللفظ الذي استُمد منه هذا المفهوم لا يدل في الاستعمال القرآني على ما أصبح يدل عليه في اللاهوت الكلامي.
يرتكز المفهوم الكلامي للعصمة على افتراض مفاده أن النبي لا يمكن أن يقع في خطأ أو زلل، لأن وقوعه في ذلك قد يفضي إلى التشكيك في صدق الرسالة. ومن هنا نشأ تصورٌ يجعل النبي كائناً محفوظاً من الخطأ حفظاً مطلقاً. غير أن هذا التصور، على رسوخه في كتب العقيدة، لا يجد في النص القرآني سنداً لغوياً صريحاً إذا ما أُخِذ الجذر اللغوي (عَصَمَ) في سياق استعمالاته المختلفة.
فالقرآن العظيم يستخدم هذا الجذر اللغوي دائماً بمعنى المنع والحماية والوقاية، لا بمعنى التنزيه عن الخطأ. ومن يتتبع المواضع القرآنية التي ورد فيها يجد أن الدلالة تدور حول الحماية من خطرٍ خارجي أو من وقوع ضرر، لا حول الامتناع عن الوقوع في الزلل. يقول الله تعالى: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} (الأحزاب: 17)، أي من الذي يحميكم ويمنع عنكم قضاء الله. ويقول تعالى: {مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} (يونس: 27)، أي لا حامي لهم. وفي قصة الطوفان يقول ابن نوح: {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ}، فيجيبه نوح: {لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} (هود: 43)، أي لا مانع ولا واقي. وعلى هذا النحو نفسه تأتي الآية التي كثيراً ما يُستدل بها على عصمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (المائدة: 67). فالسياق القرآني لا يتحدث عن الوقاية من الوقوع في الخطأ، بل عن الحماية من أذى الناس كي يتمكن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم من تبليغ الرسالة: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك}. فالعصمة هنا ليست عصمةً من الزلل، بل حفظٌ من أن يحول أذى البشر دون أداء مهمة التبليغ. وهنا تتكشف المفارقة التي مفادها أن المعنى اللغوي القرآني يشير إلى الحماية، بينما تَطَوَّرَ المفهوم في علم الكلام ليشير إلى الامتناع المطلق عن الخطأ. وهذا التحول هو ليس مجرد تفصيل لغوي، بل يعكس انتقالاً من لغة النص إلى منطق النظام العقدي.
ففي اللحظة التي بدأ فيها اللاهوتيون في بناء منظوماتهم العقائدية، ظهرت الحاجة إلى ضمان اليقين المطلق في صدق الرسالة. ومن هنا نشأ الاستنتاج المنطقي التالي: إذا كان النبي قد يخطئ، فقد يشك الناس في الوحي؛ وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد أن يكون النبي “معصوماً من الوقوع في الخطأ”. وهكذا وُلد مفهوم العصمة في سياقٍ ذي صلة بعلم الكلام، وذلك بوصفه ضرورة عقلية داخل النسق اللاهوتي، لا بوصفه دلالة لغوية مستمدة مباشرة من النص. غير أن القرآن العظيم، في تصويره للأنبياء، لا يقدّمهم بوصفهم كائنات فوق بشرية منزّهة عن كل زلل، بل بوصفهم بشراً يصيبون ويخطئون ويُصوَّب لهم. فالنبي يُعاتَب أحياناً، ويُوجَّه أحياناً أخرى، ويُذكَّر بأن مهمته هي البلاغ لا أكثر. وهذه الصورة لا تنتقص من مقام النبوة، بل تؤكده؛ إذ تجعل الوحي هو مصدر الهداية، لا العصمة الذاتية للنبي.
ومن هنا يمكن القول إن مفهوم العصمة كما تشكّل في علم الكلام يمثل إعادة تفسير لاحقة للنبوة أكثر منه تعبيراً مباشراً عن الدلالة القرآنية. فالقرآن العظيم يتحدث عن نبي محفوظ من أن يعرقل الناس مهمته، لا عن نبي معصوم من كل خطأ بشري. إن إدراك هذا الفرق لا يفضي إلى تقويض فكرة النبوة، بل إلى تحرير أي تفسير للنص القرآني من إسقاطات لاحقة أُلصقت به عبر القرون. فالنص، في بنيته الأصلية، أكثر بساطة وأشد وضوحاً مما توحي به المنظومات اللاهوتية المعقدة التي نشأت حوله. وما إن نعود إلى لغته الأولى حتى نكتشف أن العصمة في القرآن هي حماية إلهية للمهمة، لا تنزيه مطلق للشخص الموكَل إليه إنجاز هذه المهمة بإذن الله تعالى.
وهكذا يتبين لنا أن السؤال الحقيقي ليس: هل الأنبياء معصومون؟ بل: كيف تحوّل معنى الحماية في القرآن إلى عقيدة التنزيه المطلق في علم الكلام؟
وهذا التحول يكشف، في النهاية، عن شيء يتجاوز مسألة العصمة نفسها؛ إنه يكشف كيف تتغير دلالات النصوص حين تدخل في مدار الأنظمة الفكرية التي تسعى إلى إحكام بنيتها الداخلية، حتى وإن اقتضى ذلك أن يُحمَّل النص ما لم يقله على الإطلاق.
