
يتوهمُ كثيرٌ من المعظِّمين للإنسان أنَّ العالِمَ الانكليزي داروين قد ارتكب جنايةً عظمى بحقِّ الجنسِ البشري فيما ذهب إليه من أنَّ الإنسانَ والحيوان يجمع بينهما ماضٍ تطوريٍّ مشترك. فالإنسانُ، عند هؤلاء، مخلوقٌ من رتبةٍ أعلى وأطهر من أن يكونَ ذا ماضٍ حيواني، أما وأنَّ الحيوانَ عندهم مخلوقٌ متدني الرتبة، فلا مجال هنالك بالتالي للمقارنةِ بينه وبين الإنسان. ولذلك تنوعت “الحججُ” التي استندت إليها المدارسُ التي اعتمدت تعظيمَ الإنسان منهجَها المعرفي ومذهبَها الفكري. غير أنَّ هذه الحجج توافقت كلُّها جميعاً على كونِ الإنسان قد خُلِقَ خَلقاً منفصلاً مستقلاً عن خلقِ الحيوان، وبكيفيةٍ تجعل من المستحيل أن يجمعه مع الحيوان ماضٍ مشترك. ولقد ذهبت بعضُ هذه المدارس في تعظيمِها للإنسان حدَّ القول بأنَّ الأنواعَ جميعاً قد خُلِق كلُّ نوعٍ منها خَلقاً منفصلاً مستقلاً عن غيرِه من الأنواع! ولقد تجشم هؤلاء عظيمَ العناء وهم يحاولون جهدهم أن ينفوا عن الإنسان “تهمةَ” هذا الماضي الحيواني المشترك المزعوم! فهل نجح هؤلاء في توفيرِ كلِّ ما يلزم من براهينَ وحُجُج لإثباتِ وجهةِ نظرِهم هذه؟
يتكفلُ بالإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ما لفتت الميتابايولوجيا الأنظارَ إليه بشأنِ تناشزِ الإنسان عن الحيوان جراءَ خروجِه على الطبيعة إثرَ تعرُّضِه لما جعله يخوض غِمارَ انعطافةٍ تطوريةٍ كبرى نجم عنها طيفٌ تتعذَّرُ الإحاطةُ بتجلياتِه كماً ونوعاً. وهذا التناشز لا يصبُّ في مصلحةِ تفوقِ الإنسان على الحيوان، كما قد يتوهم البعض، وذلك لأنَّ ما ينطوي عليه من خروجٍ على الطبيعةِ وقوانينِها يجعل الإنسانَ كائناً في مرتبةٍ أدنى من الحيوان، خصوصاً مع هذا الذي بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ أحوالِ السوادِ الأعظمِ من البشر في حاضرِهم اليوم وماضيهم بالأمسِ القريبِ والبعيدِ على حدٍّ سواء. فيكفي أن نستذكرَ ما أصبح عليه حالُ العالَمِ اليوم حتى نتبيَّنَ أيَّهما أهدى سبيلاً: الإنسانُ أم الحيوان.
