إذا كانت الداروينية قد أخطأت فأعداؤها أخطأوا أيضاً

يشيع في بعض دوائر الفكر الحديث اعتقادٌ مفاده أنَّ نظرية داروين قد ارتكبت جنايةً فكريةً بحق الإنسان حين قررت أن بينه وبين الحيوان ماضياً تطورياً مشتركاً. فالميلُ إلى تعظيم الإنسان جعل كثيرين ينفرون من هذه الفكرة نفوراً شديداً، وكأن مجرد الإقرار بوجود صلةٍ تطورية بين الإنسان والحيوان يمثّل إهانةً لـ “الكرامة البشرية” أو انتقاصاً من مكانة الإنسان في الوجود. ولهذا لم تخلُ الأدبيات الفكرية التي نشأت في مواجهة الداروينية من محاولات متكررة لنفي هذا الماضي المشترك. فذهبت بعض المدارس إلى القول إن الإنسان قد خُلق خلقاً مستقلاً منفصلاً عن الحيوان، بل أن بعضها بالغ في هذا الاتجاه إلى الحد الذي جعل كل نوع من أنواع الكائنات الحية مخلوقاً خلقاً منفصلاً لا صلة له بغيره من الأنواع. وكأن الدفاع عن “كرامة الإنسان” لا يمكن أن يتم إلا بقطع كل صلة محتملة بينه وبين عالم الحيوان.
غير أن المفارقة التي قلّما يجري الالتفات إليها هي أن هذا الجهد كله قد انطلق من افتراضٍ خاطئ في أساسه؛ إذ افترض أن المشكلة تكمن في كون الإنسان ذا ماضٍ حيواني، مع أن المشكلة الحقيقية تكمن في أمرٍ آخر مختلف تماماً. فالسؤال الذي ينبغي طرحه ليس: هل يجمع الإنسان والحيوان ماضٍ تطوري مشترك؟ بل السؤال الأجدر بالطرح هو: لماذا أصبح الإنسان كائناً متناشزاً مع الطبيعة إلى هذا الحد؟
وهنا تحديداً يبرز ما لفتت الميتابايولوجيا النظر إليه حين أشارت إلى أن الإنسان قد تعرّض، في مرحلةٍ من تاريخه التطوري، لما يمكن وصفه بالانعطافة التطورية الكبرى؛ وهي لحظة تحوّل خرج فيها الإنسان على اقتصاد الطبيعة الذي ما تزال بقية الكائنات الحية تعيش ضمن حدوده. ومنذ تلك اللحظة لم يعد الإنسان كائناً طبيعياً بالمعنى الذي ما يزال الحيوان يجسّده.
فالحيوان، على الرغم من افتقاره إلى ما يفاخر به الإنسان من قدرات عقلية ورمزية، ما يزال يعيش في انسجامٍ مع قوانين الطبيعة التي تنظّم وجوده وسلوكه. أما الإنسان فقد أصبح، منذ تلك الانعطافة، كائناً قلقاً مضطرباً يحمل في داخله فائضاً من العدوانية والتدمير لا نجد له نظيراً في عالم الحيوان. وليس من الصعب أن نلمس آثار هذا الخروج على الطبيعة إذا نظرنا إلى تاريخ الإنسان القريب والبعيد، أو تأملنا حال العالم في يومنا هذا. فالكائن الذي نجح في ابتكار أعظم المنجزات التقنية والعلمية هو نفسه الكائن الذي لم يتوقف عن إشعال الحروب، وإبادة أخيه، وتدمير البيئة التي يعيش فيها.
ومن هنا تنقلب المفارقة رأساً على عقب: فبدلاً من أن يكون الماضي الحيواني مدعاةً للانتقاص من شأن الإنسان، قد يكون الحيوان هو الطرف الذي خرج من المقارنة أقل خسارة. فالحيوان، على بساطة وجوده، لم يخرج قط على اقتصاد الطبيعة، ولم يصبح كائناً قادراً على تدمير العالم الذي يعيش فيه. أما الإنسان، ذلك الكائن الذي يفاخر بعقله ووعيه، فقد أصبح الكائن الوحيد على هذا الكوكب القادر على أن يجعل الحياة نفسها مهددة بالزوال.

أضف تعليق