الإنسان خطاء أما الحيوان فلا

ليس صحيحاً أن داروين قد انتقص من مكانة الإنسان حين قال إن بينه وبين الحيوان ماضياً تطورياً مشتركاً. فالانتقاص الحقيقي من شأن الإنسان لا يأتي من الاعتراف بهذا الماضي، بل من شيءٍ آخر أشد إزعاجاً: من الطريقة التي انتهى بها هذا الماضي.
لقد دافع كثير من المعظّمين للإنسان عن فكرة خلقه المنفصل دفاعاً حاراً، وكأن الاعتراف بوجود صلةٍ تطورية بينه وبين الحيوان يهدد كرامته الوجودية. ولهذا نشأت مدارس فكرية كاملة تسعى إلى نفي هذا الأصل المشترك، بل ذهب بعضها إلى حدّ القول بإن الأنواع جميعاً قد خُلقت خلقاً منفصلاً لا صلة لأحدها بالآخر. غير أن هذه المحاولات، على شدتها، لم تنطلق من السؤال الصحيح. فالمشكلة ليست في أن الإنسان قد يكون ذا ماضٍ حيواني، بل في أن هذا الكائن الذي خرج من رحم الطبيعة لم يعد يعيش وفق قوانينها. فالحيوان، على بساطته، لم يخرج قط على اقتصاد الطبيعة. فهو يأكل حين يجوع، ويقاتل حين يهدد وجوده، ويتكاثر حين يحين أوان ذلك. وكل ما يفعله يقع ضمن حدود نظامٍ دقيق يحفظ التوازن بينه وبين العالم الذي يعيش فيه. أما الإنسان فقد حدث له “شيء مختلف” تماماً. فلقد تعرّض في لحظةٍ من تاريخه التطوري لانعطافةٍ كبرى أخرجته على ذلك الاقتصاد الطبيعي. ومنذ تلك اللحظة أصبح الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا تكفيه الطبيعة، والكائن الوحيد الذي يستطيع أن يوجّه عدوانه إلى ما يتجاوز حاجته وغريزته وبقاءه. فالحيوان لا يشنّ حرباً شاملة على نوعه، ولا يخترع وسائل إبادة جماعية، ولا يدمر البيئة التي يعيش فيها. أما الإنسان فقد فعل ذلك كله، وفعله باسم العقل ذاته الذي يتباهى به.
ومن هنا تنقلب الصورة التي اعتاد الإنسان أن ينظر بها إلى نفسه. فبدلاً من أن يكون الماضي الحيواني عاراً ينبغي التنصل منه، فقد يكون الحيوان هو الطرف الذي خرج من المقارنة بأقل الخسائر. فالحيوان بقي حيث وضعته الطبيعة: كائناً مندمجاً في نظامها. أما الإنسان فقد أصبح الكائن الوحيد الذي خرج على هذا النظام، ليغدو بذلك الكائن الأكثر قدرةً على العبث بالعالم الذي أنجبَه.
وهكذا لم يكن الإنسان الحيوان الذي ارتقى فوق الطبيعة بقدر ما كان الحيوان الذي أخطأ الطريق خارجها.

أضف تعليق