متلازمة نيوتن… انفصام العبقرية وفوضى الوجدان البشري

ارتبط اسم السير إسحاق نيوتن في الوعي الجمعي بالصرامة العلمية المطلقة؛ فهو صاحب “المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية” (Principia Mathematica)، والرجل الذي أخضع الكون لسطوة الحساب والمنطق. لكن خلف هذا الستار العقلاني، يختبئ نيوتن آخر: الخيميائي الغارق في البحث عن “حجر الفلاسفة”، واللاهوتي المهووس بحساب تاريخ نهاية العالم عبر تأويل نصوص غامضة، والمؤمن بـ “الهندسة المقدسة”. إن “متلازمة نيوتن” هذه تمثل تلك القدرة العجيبة على الجمع بين نقيضين: قمة التنوير العلمي وعمق الغيبيات الغامضة في ذات العقل ودون أدنى شعور بالتعارض.
ليست “متلازمة نيوتن” مجرد نفاق اجتماعي، بل هي حالة ذهنية تتيح للإنسان امتلاك وجهين متنافرين تماماً: وجه نطل به على العالم، يمثل قيمنا المعلنة ومهنتنا ورصانتنا، ووجه آخر “خفي” قد يناقض الأول جذرياً. والمذهل في الأمر ليس وجود التناقض بحد ذاته، بل في غياب “الغضاضة” أو الوخز الأخلاقي. إنها قدرة العقل على بناء جدران عازلة بين أفكاره، بحيث لا تلوث “خيمياء” النفس “فيزياء” الواقع.
تتجلى بشاعة هذه المتلازمة حين ننتقل من تناقض نيوتن “المعرفي” إلى تناقضات غاية في التعقيد. فكيف استطاع الطبيب الالماني يوزيف منغله أو الدكتور الياباني إيشيرو إيشي (قائد الوحدة 731) أن يجمعا بين “قَسَم أبقراط” الذي يُعظم الحياة، وبين ممارسات “العالِم المجنون” التي تتفنن في تعذيب البشر باسم البحث العلمي؟ هنا تصل المتلازمة إلى ذروتها؛ حيث يتحول الإنسان إلى كيان وظيفي بارد، يمارس أبشع الفظاعات في “نوبة عمله”، ثم يعود ليمارس حياته كإنسان “طبيعي”، مثقف، وربما محب للفنون، دون أن يرمش له جفن.
إن هذا الأمر لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى الفكر الجمعي. لنتأمل مشهد المبشرين الذين رافقوا “الكونكيستادورس” الإسبان في غزو العالم الجديد. كيف استقام في وعيهم حمل “رسالة المحبة والسلام” جنباً إلى جنب مع مباركة المجازر والفظاعات التي ارتكبت بحق الشعوب الأصيلة؟ إنها ذات القدرة على لَي عنق المنطق لخدمة “التناقض السياقي”، حيث يتم عزل القيمة الأخلاقية عن الفعل الواقعي ببراعة مذهلة.
إن هذا التناقض الصارخ والخروج عن “النظام الطبيعي” يضعنا أمام تساؤل جوهري: هل نحن بصدد كائن تطور بشكل سوي؟ يبدو أن “شيئاً ما” قد أصاب المسيرة التطورية للإنسان، جعله الكائن الوحيد القادر على الإيمان بفكرتين متناقضتين تماماً في آن واحد، والعمل بمقتضاهما بكل إخلاص. فمتلازمة نيوتن ليست مجرد دراسة في شخصية عالِم، بل هي مرآة تعكس ذلك الشرخ العميق في ماهية الإنسان؛ الكائن الذي بنى الحضارة بيده اليمنى، وهدم قيمها بيده اليسرى، وظل مع ذلك يعتقد أنه يسير في الطريق الصحيح.

أضف تعليق