
ما كان اللهُ تعالى لِيَذرَنا على ما نحن عليه من “عجزٍ خَلقي” عن التحرُّرِ مما تُمليه علينا عقولُنا من تداعياتٍ تتولد فيها عند تعاملِها المعرفي مع الكلماتِ التي تتكون منها رسالاتُه إلينا. فالعقلُ البشري مجبولٌ على أن يُضمِّنَ الكلمات، أي كلمات، معانٍ يفترضها فيها دونما وجه حق. وإذا كان تداعي المعاني هذا لا قدرةَ له على التسبُّبِ فيما يؤذينا حين تكون الكلماتُ كلماتِنا التي نتداولها فيما بيننا، فإنَّ هذا ليس ما هو عليه الحال حينما نتعامل معرفياً مع الكلماتِ التي تتكونُ رسالاتُ اللهِ منها. ولقد نجم عن عجزِنا عن التعاملِ المعرفي الصائب مع كلماتِ الله أن أصبحنا عاجزين عن تبيُّنِ معناها الحقيقي، وذلك في غمرةِ انشغالِنا بما أضفته تداعياتُ هذه الكلمات عليها من معنىً لا علاقةَ له بمعناها الحقيقي. ولذلك كان أمرُ اللهِ تعالى للذين اختاروا أن يهتدوا بهَدي صراطِه المستقيم أن يسبِّحوه ويقدِّسوا له، ليتأتى لهم بذلك الحصولُ على تصورٍ لكلماتِ رسالاتِه لا يشوبه شيءٌ من تلك التداعيات.
وخير مثال على ما جعلتنا هذه التداعيات نقع فيه من جسيمِ الخطأ أننا افترضنا أنَّ علاقتَنا بالله هي عينُ علاقتِه بنا! فتصوراتُنا المفتقرةُ إلى الصواب جعلتنا نقصرُ “عالَمَ الله” على عالمِنا، فكان أن ماهينا بين العالَمَين، وشرعنا بعدها في نسجِ تصورٍ لله لا علاقةَ له، من قريبٍ أو بعيد، بالله الحق. فاللهُ كما عرَّفنا بنفسِه في قرآنِه لا يقصرُ تعاملَه مع الخَلق وفقاً لما افترضته عقولُنا التي زيَّنت لنا أن نتَّبعَ ما أملته علينا تداعياتُ الكلماتِ التي اشتملت عليها رسالاتُ اللهِ إلينا. ولو أننا تدبَّرنا القرآنَ، لكان من اليسيرِ علينا أن نصوِّبَ تصوراتِنا عن الله وفقاً لما تبيَّناه بتدبُّرِنا لكلماتِ رسالتِه إلينا؛ هذه الرسالة التي حملها إلينا قرآنُه العظيم. عندها كنا لنتبيَّنَ أنَّ عالَمَ الله لا مجالَ لمقارنتِه بعالَمِنا، وأنَّ للهِ حضوراً في عالَمِنا كما أنَّ له حضوراً في عوالمَ أخرى لم نُخلَق مؤهَّلين للإحاطةِ بها: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (من 85 الإسراء).
وعندها سيصبح بمقدورِنا أن نتبيَّنَ مدى عِظَم عالَم الله الذي لم يكن ليخطرَ ببالِنا أنَّ اللهَ يتعاملُ مع أصغرِ مفردةٍ فيه ذات التعامل الذي يوليه لنا. فلسنا الوحيدين في هذا الوجود الذي يعجُّ بما لا نعلم، على وجه التحديد والاحصاء والحصر، بموجوداتٍ من أنواع شتى الذين يسجِّلُ اللهُ تعالى حركاتِهم وسكناتِهم وما جدَّ من جديدٍ على أحوالِهم وأفعالِهم وأقوالِهم:
• (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (59 الأنعام).
• (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (من 61 يونس).
• (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (75 النمل).
• (عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (من 3 سورة سبأ).
• (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (38 الأنعام).
• (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (6 هود).
• (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (70 الحج).
وعندها أيضاً سندرك كم كنا مخطئين حين قصَرنا معنى “كلمات الله” على ما يحدث في “عالَمِنا”، وغاب عن إدراكِنا أنَّ للهِ تعالى كلماتٍ لو أننا عشنا ملايين السنين ما كنا لنحيطَ بها:
• (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (27 لقمان).
• (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (109 الكهف).
فـ “الكتابُ” الذي جعله اللهُ تعالى “سِجلَّ الوجود” لم يقصره اللهُ علينا كما تُوهِمنا بذلك أنفسُنا وتُعينها على ذلك عقولُنا التي لا ترى الوجودَ إلا مرآةً خُلِقت لننظرَ فيها فنرى عظمتَنا وكمالاتِنا! فاللهُ تعالى عنده “أُمُّ الكتاب”، وهو الكتابُ الذي افتتحه يومَ خلقَ السمواتِ والأرض وخصَّصَ لنا منه بعضاً من كلماتِه فحسب، وذلك من دون أن يقصره علينا وعلى أحوالِ “عالَمِنا”:
• (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) (من 39 الرعد).
• (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (من 36 التوبة).
• (وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) (من 4 ق).
يتبيَّن لنا، وبتدبُّرِ كلِّ ما تقدم، أنَّ اللهَ تعالى الذي أنبأنا في قرآنِه العظيم أن ما من شيءٍ إلا يسبح بحمدِه، علِمنا هذا الشيء أم لم نعلم، هو الذي خلق من الخلق ما لم ييسِّر لنا أيَّ سبيلٍ لنحيطَ به عِلماً:
• (يُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (44 الإسراء).
• (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) (75- 76 الواقعة).
فاللهُ تعالى لن ينالَه منا إلا تقوانا له كما يُجلِّيها إيقانُنا بأنه لم يخلقنا مؤهَّلين لنحيطَ بكلِّ شيءٍ عِلما، فهو الخالقُ البارئُ المصوِّر الذي علَّمنا قرآنُه بأنه يخلقُ ما لا نعلم: (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ( (من 8 النحل).
