تنزيهُ اللهِ تعالى بوصفِه تحرراً من أَسرِ اللغة

ليست المشكلة الكبرى في فهم الإنسان للوحي أنه يجهل كلمات الرسالة، بل أنه يثق أكثر مما ينبغي بقدرته على فهمها. فالعقل البشري لا يتعامل مع الكلمات بوصفها إشاراتٍ حيادية، بل يحيطها بشبكة كثيفة من المعاني التي تتولد من خبرته المحدودة بالعالم. وما إن يسمع كلمةً حتى تبدأ سلسلة من التداعيات بالعمل في ذهنه، فيظن أن هذه التداعيات جزء من معنى الكلمة، مع أنها في الحقيقة ليست سوى إسقاطات من عالمه الخاص. وهذا الميل ليس عيباً في العقل بقدر ما هو خاصية من خصائص عمله. فاللغة التي يفكر بها الإنسان لم تنشأ في الأصل لتفسير الوجود كله، بل نشأت لتيسير التواصل بين البشر داخل حدود عالمهم المشترك. ولهذا فإن الكلمات البشرية، مهما بلغت دقتها، تظل محمولةً دائماً على التجربة الإنسانية المحدودة.
غير أن المشكلة تبدأ حين يحاول الإنسان أن يفهم كلمات الوحي بالآليات نفسها التي يفهم بها كلام البشر. فالعقل، وهو يواجه النص الإلهي، لا يستطيع بسهولة أن يتخلى عن عادته القديمة في توليد المعاني. وهكذا يبدأ في مقاربة الكلمات الإلهية وفقاً لما درج عليه من الأخذ بما تثيره الكلمات في عقله من تداعيات، فيغدو النص الذي بين يديه مزيجاً غريباً من المعنى الذي أراده الوحي والمعاني التي أضافها العقل من تلقاء نفسه.
ومن هنا نشأت عبر التاريخ كثير من التصورات عن الله لا تستند إلى ما أخبر به عن نفسه، بل إلى ما أملاه على الإنسان خياله اللغوي. فالإنسان، بحكم اعتياده على عالمه الضيق، يميل إلى أن يقيس كل شيء على نفسه، حتى إذا تحدث عن الله تصور أنه يتعامل مع الكون بالطريقة نفسها التي يتعامل بها البشر مع بعضهم بعضاً.
لقد وقع الفكر الديني في كثير من الأحيان في هذا الفخ وذلك من دون أن يشعر. فبدلاً من أن ينطلق من حقيقة أن الله متعالٍ عن مقاييس العالم الإنساني، فلقد جعل الإنسانُ من عالمه معياراً يقيس به عالم الله. وهكذا جرى في صمت اختزال اللامتناهي في حدود المتناهي، واختزال الإلهي في صورٍ مستعارة من التجربة البشرية.
غير أن القرآن يفتح أمام الإنسان أفقاً معرفياً مختلفاً تماماً. فهو يذكّره منذ البداية بأن معرفته بالوجود معرفة محدودة على نحو جذري: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فالحكمة البالغة التي ينطوي عليها قول الله تعالى هذا، ليست مجرد تذكير أخلاقي بالتواضع، بل هي إعلان صريح عن الحدود المعرفية للعقل البشري. فالعقل الذي يظن أنه قادر على الإحاطة بالوجود ليس إلا عقلاً يجهل حدود نفسه.
وحين يضع القرآن هذا الحدّ المعرفي، فإنه يحرر الإنسان من الوهم القديم الذي يجعله يعتقد أن عالمه هو مركز الوجود. فالوجود، كما يصفه القرآن، ليس مسرحاً صغيراً يدور حول الإنسان، بل شبكة هائلة من الكائنات والوقائع التي يحيط بها علم الله إحاطة شاملة: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾. إن هذه الإحاطة الشاملة تكشف أن ما يسميه القرآن “الكتاب” ليس سجلاً خاصاً بعالم الإنسان، بل هو سجل الوجود كله. فالإنسان ليس سوى كائن واحد في عالم يعجُّ بوقائع لا يعلم عنها إلا القليل. ولهذا يذكّر القرآن الإنسان بأن الكائنات التي يراها حوله ليست مجرد عناصر صامتة في الطبيعة، بل أمم قائمة بذاتها: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾. وحين يبدأ الإنسان في إدراك هذا الاتساع المذهل للوجود، تتكشف له حقيقة أخرى أكثر عمقاً مفادها أن كلمات الله لا يمكن اختزالها في الحدود الضيقة التي يرسمها العقل البشري. فالقرآن العظيم يصرّح بأن كلمات الله لا تنفد: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾. إن كلمات الله، بهذا المعنى، ليست مجرد النص الذي تلقاه الإنسان عبر الوحي، بل هي تعبير عن الإرادة الإلهية التي تتجلى في شبكة الوجود كلها. فالكون نفسه، بما فيه من أحداث وكائنات، ليس إلا امتداداً لهذه الكلمات.
ومن هنا يصبح التنزيه أكثر من مجرد فعل تعبدي؛ إنه موقف معرفي. فحين يقول الإنسان “سبحان الله” فإنه لا يعلن تعظيم الله فحسب، بل يعلن أيضاً تحرره من الوهم الذي يجعله يقيس عالَم الله بمقاييس عالَمه المحدود. فالتنزيه، في جوهره، هو لحظة إدراكٍ حاسمة بأن اللغة التي يفكر بها الإنسان ليست قادرة على احتواء الحقيقة الإلهية. إنه اعتراف بأن الكلمات التي نستخدمها للإشارة إلى الله ليست إلا إشارات تقريبية، وأن ما يتداعى في أذهاننا من معانٍ عند سماعها لا يمكن أن يحيط بحقيقة الله. ولهذا يذكّر القرآن الإنسان بأن الكون كله يسبّح بحمد الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. فالتسبيح ليس ظاهرة إنسانية فحسب، بل هو قانون كوني شامل. غير أن الإنسان، بسبب محدودية إدراكه، لا يفقه هذا التسبيح.
وهنا فقط يبدأ المعنى الحقيقي للتقوى. فالتقوى ليست مجرد خوفٍ من الله، بل هي وعيٌ عميق بحدود المعرفة البشرية، وإقرار بأن الخالق الذي أخبرنا في القرآن أنه يخلق ما لا نعلم قد جعل الإنسان جزءاً صغيراً من وجود أعظم بكثير مما يتخيله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وحين يدرك الإنسان هذه الحقيقة، يتحرر أخيراً من الوهم الذي جعله يقيس عالَم الله على عالَمه، ويبدأ في قراءة كلمات الوحي قراءةً مختلفة؛ قراءةً تبدأ بالتنزيه، وتنتهي بالتواضع أمام اتساع الوجود.

أضف تعليق