
لم يكن القرن العشرين مجرد حقبة للاكتشافات الفيزيائية التي قلبت موازين فهمنا للكون، بل كان أيضاً ساحة لمعركة إبستمولوجية كبرى حول “ماهية العلم” وهويته. في قلب هذه المعركة، يقف الفيزيائي الألماني ماكس بورن، أحد الآباء المؤسسين لميكانيكا الكم، ليس فقط كعالم رياضيات فذ، بل كفيلسوف ومدافع شرس عن استقلالية العقل. في كتيبه وتأملاته حول “الفيزياء في حياتي”، رصد بورن التباين الجوهري بين رؤيتين متناقضتين للنظرية الفيزيائية: رؤية العلم كبناء كوني مجرد، ورؤية “الفيزياء الألمانية” (Deutsche Physik) التي حاولت تدجين الطبيعة داخل أطر أيديولوجية وعرقية ضيقة.
فلقد تَمثل موقف الحزب النازي علمياً في حركة “الفيزياء الألمانية” التي قادها حائزان على جائزة نوبل هما فيليب لينارد ويوهانس ستارك. فلم يكن خلافهما مع الفيزياء الحديثة تقنياً فحسب، بل كان تمرداً إبستمولوجياً يستند إلى مبدأين:
1. رفض التجريد (معاداة “الفيزياء اليهودية”)؛ حيث اعتبر لينارد وستارك أن النسبية وميكانيكا الكم “نظريتان يهوديتان” مفرطتان في الرياضيات والتجريد، وادعيا أنها تهدف إلى فصل الإنسان عن “الواقع المادي الملموس”. فوفقاً لوجهة نظر كل منهما، فلقد كان التجريد نوعاً من الخداع الذهني الذي يتنافى مع “الروح الآرية”.
2. النزعة الحسية المتطرفة (Anschaulichkeit). ولقد جادل هذان العالمان بأن الفيزياء الحقيقية يجب أن تكون قابلة للتصور البصري والحدس المباشر. ففي نظرهما، العلم “قومي” ومرتبط بدم الباحث؛ لذا يجب أن تقتصر الفيزياء على النماذج الميكانيكية البسيطة التي يمكن “رؤيتها” وفهمها بالحواس، وما دون ذلك فهو مجرد ضلال فكري.
ولقد واجه ماكس بورن هذا الانحدار برؤية فلسفية عميقة، مفككاً ادعاءات “الفيزياء الألمانية” عبر محاور جوهرية:
• عالمية الحقيقة الفيزيائية: رد بورن بأن قوانين الطبيعة لا تملك “جواز سفر”. فالمعادلة الفيزيائية التي تصف الذرة تظل ثابتة وصادقة بغض النظر عن عرق مكتشفها أو جغرافيته. فالعلم بالنسبة لبورن هو “لغة كونية” تتجاوز الحدود القومية، وقوته تكمن في موضوعيته المطلقة.
• الرياضيات ككاشف للواقع الخفي: دافع بورن عن الدور الحاسم لـ “الرياضيات المتقدمة”، معتبراً إياها الأداة الوحيدة التي تسمح للعقل بتجاوز قصور الحواس البشرية. فإذا كان عالَم الذرة لا يمكن “رؤيته” بالعين، فإن الرياضيات هي “المجهر الذهني” الذي يكشف عن الهيكل الحقيقي لهذا العالَم. فقد رفض بورن فكرة أن يكون “الحدس البصري” معياراً للحقيقة، مؤكداً أن الواقع أعمق بكثير من المدركات الحسية البسيطة.
• نقد الواقعية الساذجة: بيّن بورن أن الإصرار على تفسير الكون عبر “نماذج ميكانيكية” (مثل التروس والكرات) هو جهل بطبيعة الفيزياء الحديثة. فالنظرية ليست مجرد وصف سطحي، بل هي بناء فكري يقترب تدريجياً من فهم الهيكل العميق للكون، وهو هيكل احتمالي ورياضي في جوهره.
لم يكن السجال علمياً فحسب، بل كان صراعاً على “أخلاقيات العلم”. فلقد جادل بورن أن محاولة ستارك ولينارد “تطهير” الجامعات من العلماء النظريين ووصفهم بـ “اليهود البيض” هي خيانة للأمانة العلمية. ولقد حذر بورن حينها من أن إخضاع العلم للأيديولوجيا يحوله من أداة للتحرر إلى وسيلة للدعاية (Propaganda)، مما يؤدي في النهاية إلى “عقم علمي”، وهو ما حدث بالفعل حين تراجعت الفيزياء الألمانية خلف نظيرتها العالمية التي تبنت المفاهيم الحديثة.
لقد أثبت التاريخ صحة موقف ماكس بورن؛ فبينما اندثرت “الفيزياء الألمانية” مع سقوط النازية، ظلت الفيزياء النظرية “المجردة” هي المحرك للثورات التكنولوجية المعاصرة. لقد علمنا بورن أن قوة العلم تكمن في قدرته على التحرر من “الذاتية” والارتقاء إلى “الموضوعية”. ويبقى “كتيب” ماكس بورن شهادة حية على أن الدفاع عن النظرية الفيزيائية هو في جوهره دفاع عن حرية العقل البشري ضد شمولية الأيديولوجيا.
واليوم، ونحن نشهد من جديد انبعاث الإيديولوجيا، عبر محاولات أطراف عديدة التحكم بوجهة البحث العلمي وإعادة قراءة تاريخ العلم من منظور يستند الى “المركزية الأوروبية” المزعومة ومن خلال فرض وصاية على الظواهر والتجارب التي يُسمح للعقل العلمي بأن يتعامل معرفياً معها، ما أحوجنا الى تذكُر كلمات العالِم الألماني الشهير ماكس بورن: “الاعتقاد بوجود حقيقة واحدة، وأن المرء هو صاحب هذه الحقيقة، هو أصل كل شرور العالم”.
