
وصفَ اللهُ تعالى الصلاةَ في قرآنِه العظيم بأنها تنهى المُصلِّي عن الفحشاءِ والمنكر: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (من 45 العنكبوت). ويُخطئُ كلُّ مَن يظن أنَّ هذا التوصيفَ الإلهي يقتصرُ على الصلاة دون غيرِها من العبادات، أما وأنَّ اللهَ تعالى قد اختصَّها هي تحديداً بهذا التوصيف. وهذا ظنٌّ لا يتفق مع منطقِ اللسانِ العربي المبين الذي يذكِّرنا اللهُ تعالى في غير موضعٍ في قرآنِه العظيم بأنه اللسانُ الذي أنزلَ به قرآنَه: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (192- 195 الشعراء).
فتدبُّرُ القرآنِ العظيم يبيِّنُ لنا حقيقةً مفادُها أنَّ التخصيصَ ينطوي أحياناً على تعميم، كما أنَّ التعميمَ يشتمل حدوداً تجعله يقتصر في مواضعَ قرآنية بِعينِها على حالاتٍ فيها خصوصية فصَّلتها هذه الحدود. صحيحٌ أنَّ اللهَ تعالى قد وصفَ صلاةَ المصلِّي بأنها تنهاه عن الفحشاءِ والمنكر، غير أنَّ هذا لا ينبغي أن يُحتَجَّ به للتدليلِ على أنَّ الزكاةَ لا تنهى عن الفحشاءِ والمنكر! فالزكاةُ إن لم يُقصَد بها وجهُ اللهِ تعالى، فإنها رياءٌ يُقصَدُ به نيلُ حمدَ الناسِ وثناءهم. ولنا في قولِ اللهِ تعالى (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (من 10 فاطر) ما يكفي دليلاً وبرهاناً على أنَّ اللهَ تعالى لا يصعدُ إليه إلا القولُ الطيب ولا يرفعُ إليه إلا العملَ الصالح.
ولكن، ما الذي ينبغي ألا يفوتَنا تبيُّنُه بتدبُّرِ وصفِ اللهِ تعالى للصلاة بأنها “تنهى عن الفحشاءِ والمنكر”؟ إنَّ الصلاةَ، وكلَّ عبادةٍ أخرى كما تبيَّنَ لنا أعلاه، إما أن تنهى عن الفحشاءِ والمنكر، فيرفعها اللهُ تعالى إليه، وإما أن يُقصَدَ بها غيرُه فلن يصبحَ بمقدورِها أن تنهى العبدَ عن الفحشاءِ والمنكر. وهذا تفصيلٌ لابد من أن نقدرَه حقَّ قدرِه حتى نعملَ جاهدين لئلا تكونَ عباداتُنا غيرَ مؤهلةٍ ليرفعَها اللهُ تعالى إليه، وذلك بأن نحرصَ، الحرصَ كلَّه، على ألا يخالطَها أيُّ شيءٍ يجعلُها مردودةً علينا، فلا تنهانا بعدها عن الفحشاءِ والمنكر.
يتبيَّن لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أن واحدَنا مُطالَبٌ بأن يتفحَّص نظامَه التعبدي حتى لا يتَّصفَ بما يجعلُه غيرَ ذي نفعٍ لنا لتقصيرِنا في أداءِ مفرداتِه التعبدية على النحو الذي يكفلُ لنا أن نرتقي به وإلا ردَّنا اللهُ تعالى به أسفلَ سافلين.
