من “الفيزياء الألمانية” إلى مركزية العِلم المعاصر… حين يكررُ العقلُ العلمي أخطاءَه

في ثلاثينيات القرن العشرين ظهرت في ألمانيا حركة فكرية حملت اسم “الفيزياء الألمانية”. ولم تكن هذه الحركة مجرد اختلافٍ داخل الفيزياء حول منهجٍ أو نظرية، بل كانت محاولة لإعادة تعريف ماهية العلم ذاته. فقد رأى منظّروها أن الفيزياء النظرية، بما تقوم عليه من رياضيات متقدمة وتجريدٍ عقلي شديد، ليست في حقيقتها علماً أصيلاً، بل انحرافاً عن الفيزياء الحقة التي ينبغي أن تقوم على التجربة المباشرة والوصف التجريبي البسيط.
غير أن هذا الموقف لم يكن علمياً بقدر ما كان أيديولوجياً. فقد قيل يومها إن الفيزياء التي تعتمد على التجريد الرياضي إنما تعبّر عن عقلٍ “غريب” عن الروح الألمانية، وإن الفيزياء الصحيحة هي تلك التي يصوغها العقل الآري النقي. وهكذا لم تعد المسألة تتعلق بصحة النظرية أو خطئها، بل بهوية العقل الذي أنتجها. وفي مواجهة هذا الانحراف وقف العالم الألماني ماكس بورن موقفاً حاسماً، حين قال عبارته الشهيرة التي أصبحت لاحقاً أحد أكثر الأقوال دلالة في تاريخ العلم:
“لا يوجد عِلم ألماني ولا عِلم يهودي، بل يوجد عِلم صحيح وعِلم خاطئ.”
لقد كانت هذه العبارة في ظاهرها دفاعاً عن استقلال العلم عن العرق والإيديولوجيا. لكنها في حقيقتها كانت دفاعاً عن شيءٍ أعمق؛ عن فكرة أن العلم لا يمكن أن يعيش إذا سُمح لأي سلطة، سياسية كانت أم ثقافية، بأن تحدد مسبقاً ما الذي يمكن أن يكون علماً وما الذي لا يمكن أن يكون كذلك.
غير أن هذه القصة لا تنتمي إلى الماضي وحده. فالعالَم الذي نعيش فيه اليوم يبدو، في بعض وجوهه نسخةً مكررة، وإن بصورة أكثر تهذيباً، من عالم ثلاثينيات القرن العشرين. فكما حاول منظّرو “الفيزياء الألمانية” أن يحددوا مسبقاً حدود العلم، يميل العلم المعاصر في كثير من مؤسساته إلى رسم حدودٍ مشابهة، وإن بأدواتٍ مختلفة.
فلقد اختفى خطاب العقل الآري النقي، لكن شيئاً آخر حلّ محله يتمثل في مركزية معرفية صامتة تحدد ما يستحق أن يكون مادة للبحث وما ينبغي أن يُستبعد من مجال العلم. فالعلم المعاصر، في كثير من الأحيان، لا يرفض بعض الظواهر لأنها ثبت خطؤها، بل لأنه لا يرغب في التعامل معها أصلاً. والسبب في ذلك ليس دائماً غياب الدليل، بل ارتباط هذه الظواهر تاريخياً بمجالات طالما اعتُبرت خارج دائرة العلم كالأساطير والأديان والحكايات الشعبية أو ما يُسمى عادةً “الخوارق”.
وهنا تكمن المفارقة العميقة؛ ففي ثلاثينيات القرن الماضي أُقصيت الفيزياء النظرية لأنها بدت لبعضهم تجريداً غريباً لا يشبه الفيزياء التجريبية المألوفة. أما اليوم، فإن ظواهر أخرى تُقصى لأنها تبدو غريبة أكثر مما ينبغي على الصورة التي رسمها العلم المعاصر للعالم. وفي الحالتين يحدث الشيء نفسه: يُرسم إطارٌ مسبق لما يمكن أن يكون حقيقياً، ثم يُعاد تعريف العلم بحيث لا يرى إلا ما يقع داخل هذا الإطار. إن الخطر الحقيقي على العلم لا يكمن في أن يخطئ في تفسير ظاهرة ما، فالخطأ جزء من طبيعة المعرفة، ولكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول العلم من منهج للبحث إلى نظام لحراسة الحدود. فعندما يصبح دَور المؤسسة العلمية هو حماية الصورة السائدة عن العالم بدلاً من اختبارها، يتحول العلم من حيث لا يشعر أصحابه إلى ما يشبه الأرثوذكسية الفكرية التي تحرسها سلطة معرفية غير مرئية. وهنا تستعيد عبارة ماكس بورن معناها العميق. فالعلم لا يكون علماً لأنه يصدر عن عقل أوروبي أو أمريكي أو شرقي، ولا لأنه ينسجم مع المزاج الفكري السائد في عصر معين. فالعلم لا يملك غير معيارٍ واحدٍ للحكم والمتمثل في قدرته على طرح الأسئلة التي لم يجرؤ أحد على طرحها من قبل.
ولهذا فإن الدرس الذي تقدمه لنا تجربة “الفيزياء الألمانية” ليس درساً تاريخياً فحسب، بل تحذيرٌ دائم. فالخطر الذي كاد أن يصيب العلم في ثلاثينيات القرن العشرين لم يكن في ظهور نظرية خاطئة، بل في الاعتقاد بأن هناك أشياء لا ينبغي للعلم أن يقترب منها أصلاً. وعندما يصل العلم إلى هذه النقطة، فإنه يبدأ، ببطءٍ ودون أن يشعر، في التحول من مغامرة معرفية مفتوحة إلى منظومة فكرية مغلقة. وهنا فقط يصبح من المشروع أن نتساءل: هل ما زلنا نعيش في عصر العلم، أم أننا نعيش في عصر الأرثوذكسية العلمية؟

أضف تعليق