السؤال بوصفه أداة لزعزعة اليقين… حين يكشف السؤال حدود العقل البشري

لنتدبر المقولة التالية: “ومن الأسئلة ما يُنتفع به وإن تعذّرت الإجابة عليه.”
ليست هذه العبارة مجرد تأمل لغوي أو حكمة عابرة، بل تكاد تكون خلاصة تقليد فكري طويل أدرك فيه بعض أعظم العقول في تاريخ البشرية أن السؤال قد يكون أحيانًا أكثر قيمة من الجواب. فالمعرفة البشرية لم تتقدم عبر تراكم الأجوبة بقدر ما تقدمت عبر الأسئلة التي شككت في الأجوبة القديمة.
ولعل أول من أدرك هذه الحقيقة إدراكًا عميقًا كان الفيلسوف اليوناني سقراط. فقد كان سقراط يمارس الفلسفة لا عبر إلقاء المحاضرات، بل عبر طرح الأسئلة. ولم تكن أسئلته تهدف إلى تقديم أجوبة جاهزة، بل إلى كشف ما كان يراه “وهم المعرفة” لدى محاوريه. كان يعتقد أن كثيرًا مما نعدّه معرفة ليس في الحقيقة سوى يقين زائف لم يُختبر قط تحت ضغط السؤال. ولهذا ارتبط اسمه بما يعرف في تاريخ الفكر بـ “الطريقة السقراطية”، التي تقوم على مساءلة المسلمات إلى الحد الذي ينكشف فيه فراغها المعرفي. وقد عبّر سقراط عن هذه الفكرة في عبارته الشهيرة:
“كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئًا.” فلم تكن هذه العبارة إعلانًا للجهل بقدر ما كانت كشفًا لحدود المعرفة البشرية.
وبعد قرون طويلة سيعود الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط ليضع هذه المسألة في قلب الفلسفة الحديثة. فقد رأى كانط أن العقل البشري يمتلك قدرة عظيمة على طرح الأسئلة، لكنه في الوقت نفسه عاجز عن الإجابة عن بعضها. ولهذا قال إن العقل يقع في ما سماه “المعضلات العقلية”، وذلك عندما يحاول الإجابة عن أسئلة تتجاوز حدود خبرته الممكنة. ومن أشهر الأسئلة التي رأى كانط أنها تتجاوز قدرة العقل على الحسم:
• هل للعالم بداية زمنية؟
• هل النفس خالدة؟
• هل الكون محدود أم لا نهائي؟
فهذه الأسئلة في نظره ليست خاطئة. لكنها أسئلة يتجاوز موضوعها حدود العقل البشري. ومع دخول القرن العشرين ستتخذ المسألة بعدًا آخر مع الفيزيائي الألماني ماكس بلانك، الذي قال عبارة لافتة: “العلم لا يتقدم لأن العلماء يقنعون بعضهم، بل لأن جيلاً جديدًا ينشأ معتادًا على الأسئلة الجديدة.” فالعلم، في جوهره ليس منظومة من الأجوبة، بقدر ما هو آلة لطرح الأسئلة. بل إن بعض أعظم التحولات العلمية نشأت من سؤال بسيط في ظاهره. فنظرية النسبية بدأت بسؤال طرحه ألبرت أينشتاين على نفسه وهو شاب: “ماذا لو ركبت شعاع ضوء؟” كان سؤالًا طفوليًا في ظاهره، لكنه أدى إلى أحد أعظم الانقلابات في تاريخ الفيزياء.
غير أن السؤال لا يؤدي دائمًا إلى جواب. بل إن بعض الأسئلة تؤدي إلى نتيجة أكثر إثارة: اكتشاف حدود المعرفة البشرية نفسها. وقد عبّر عن هذه الفكرة بوضوح الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين حين قال: “حدود لغتي هي حدود عالمي.” فكثير من الأسئلة التي يطرحها الإنسان قد تكون في حقيقتها أسئلة تتجاوز قدرة اللغة والعقل معًا.
لكن المسألة تزداد تعقيدًا حين ننظر إليها من زاوية أخرى وهي الزاوية البايولوجية التطورية. فإذا كان العقل البشري قد نشأ في سياق تطوري هدفه الأساسي البقاء والتكيف، فإن قدراته المعرفية ينبغي، من حيث المبدأ، أن تكون محدودة بما يخدم هذا الهدف. فالبايولوجيا التطورية تفترض أن الكائنات الحية لا تطوِّر إلا الصفات التي تعزز فرص بقائها وتكاثرها. وهذا يعني أن أي قدرة معرفية يطورها الدماغ يجب أن تكون اقتصادية من حيث استهلاك الطاقة، لأن الدماغ من أكثر أعضاء الجسم استهلاكًا للطاقة.
ومن هنا يظهر مبدأ يمكن تسميته “قانون الاقتصاد الطبيعي”؛ فالطبيعة لا تمنح الكائنات قدرات لا حاجة لها بها. ولكن الإنسان يمثل في هذا السياق حالة غريبة، فهذا الكائن لا يكتفي بالمعرفة التي يحتاجها للبقاء، بل يبدو وكأنه مدفوع بدافع لا يشبع لمعرفة ما لا يحتاج إلى معرفته. فالإنسان يسأل:
• ما أصل الكون؟
• ما طبيعة الزمن؟
• ماذا كان قبل الانفجار العظيم؟
• هل للوجود معنى؟
هذه الأسئلة لا تساعد الإنسان على الصيد ولا على الزراعة ولا على الهروب من المفترسات. ومع ذلك فإن العقل البشري يبدو مهووسًا بها.
وهنا يظهر التوتر الفلسفي العميق “إذا كان العقل البشري نتاجًا مباشرًا للانتقاء الطبيعي، فلماذا يمتلك هذه النزعة المعرفية التي تتجاوز متطلبات البقاء؟”
إن البحث عن المعرفة المجردة نشاط يستهلك قدرًا هائلًا من الطاقة العصبية، وهو في كثير من الأحيان لا يحقق أي منفعة بايولوجية مباشرة. بل إن تاريخ الفكر البشري يكشف أن هذه النزعة قد قادت الإنسان أحيانًا إلى مغامرات معرفية خطرة ومكلفة. فكيف نشأت هذه النزعة؟ قد يكون الجواب أن الإنسان لم يتطور تطورًا خطيًا بسيطًا، بل تعرض في مسيرته لما يمكن تسميته بـ “الانعطافة التطورية”؛ انعطافة جعلت العقل البشري ينتقل من كونه مجرد أداة للبقاء إلى كونه آلة لطرح الأسئلة. ومنذ تلك اللحظة أصبح الإنسان الكائن الوحيد المعروف الذي يسأل عن أصل الكون ويبحث عن معنى الوجود ويتأمل في حدود معرفته. إن السؤال الذي كان في البداية أداة للبقاء، تحوّل مع الزمن إلى قوة تقود العقل إلى ما يتجاوز البقاء نفسه.
وهنا تتضح قيمة العبارة التي بدأنا بها: “ومن الأسئلة ما يُنتفع به وإن تعذّرت الإجابة عليه.” فالسؤال لا يكون نافعًا لأنه يقود إلى جواب، بل لأنه قد يقود إلى شيء أهم؛ إلى إدراك الإنسان لحدود عقله. ولعل هذه هي أعظم فائدة يمكن أن يجنيها العقل من السؤال. فحين يدرك الإنسان حدود معرفته، يصبح أقل يقينًا وأقل غرورًا وأكثر استعدادًا للبحث. وهذا بالضبط ما يجعل السؤال، منذ سقراط وحتى اليوم، أقوى أدوات العقل في كشف هشاشته.

أضف تعليق