بين برودة العقل وقلق الإيمان… مقارنة بين باسكال وديكارت

من بين المفارقات اللافتة في تاريخ الفكر الأوروبي أن القرن السابع عشر، الذي يُعدُّ قرن العقلانية الحديثة، قد شهد في الوقت ذاته ولادة نوعين مختلفين تماماً من التفكير في الظاهرة الدينية. فقد كتب رينيه ديكارت كتابه Les Passions de l’âme في إطار مشروعه الفلسفي الذي أراد من خلاله إخضاع الإنسان والطبيعة معاً لنظامٍ عقلاني واضح. وفي الجهة الأخرى، ترك بليز باسكال كتابه الشهير Pensées بوصفه مجموعة من التأملات التي تنتمي إلى تجربة وجودية مضطربة في مواجهة أسئلة الدين الكبرى.
وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة فكرية حقيقية: كتابان ينتميان إلى العصر نفسه، ويتعاملان مع الإنسان والدين، لكنهما يصدران عن مزاجين معرفيين مختلفين إلى حدٍ يكاد يجعلهما يمثلان نمطين متعارضين من الوعي الديني.
فلم يكن اهتمام ديكارت بالدين وليد تجربة روحية عميقة بقدر ما كان امتداداً لمشروعه الفلسفي الذي أراد أن يؤسس المعرفة على اليقين العقلي. ففي كتابه Les Passions de l’âme يظهر الإنسان بوصفه كائناً يمكن فهم انفعالاته ضمن بنية واضحة تجمع بين النفس والجسد. فلقد حاول ديكارت أن يفسر العواطف البشرية كما لو كانت جزءاً من نظام ميكانيكي يمكن للعقل أن يدرسه ويصنّفه ويضبط قوانينه. وحتى عندما يقترب من المسائل الدينية، فإنه يفعل ذلك من داخل هذا الأفق العقلاني الصارم. ولم يكن هذا الموقف بعيداً عن التأثير العميق الذي تركته الفلسفة السكولاستية، ولا سيما اللاهوت العقلاني الذي صاغه توما الأكويني في “الخلاصة اللاهوتية”. فقد كان مشروع الأكويني يقوم أساساً على محاولة التوفيق بين الإيمان والعقل عبر بناء نظام لاهوتي شديد الانضباط المنطقي. وفي هذا السياق وجد ديكارت في الرياضيات النموذج الأعلى لليقين. فكما أن القضايا الرياضية تتمتع بوضوحٍ وضرورة لا تقبل الشك، فقد بدا له أن العقل قادر أيضاً على بلوغ يقين مشابه في المسائل الميتافيزيقية. ومن هنا جاء ميله إلى النظر إلى الكون بوصفه منظومة عقلانية، وإلى الدين بوصفه حقيقة يمكن للعقل أن يبرهن عليها. وبهذا المعنى لم يكن الدين عند ديكارت تجربة قلقٍ وجودي، بل قضية يمكن إدراجها ضمن نظام معرفي محكم.
وفي المقابل، فقد جاء باسكال من طريقٍ مختلف تماماً. فعلى الرغم من عبقريته الرياضية، لم يتعامل مع الدين بوصفه مسألة برهانٍ عقلي، بل بوصفه تجربة إنسانية تتعلق بمأساة الوجود البشري نفسه. وفي كتابه (خواطر Pensées ) لا يظهر الإنسان ككائن يمكن تفسيره بسهولة ضمن نظام عقلاني. بل يظهر ككائن ممزق بين عظَمتين متناقضتين: عظمة العقل الذي يدرك الكون، وبؤس الكائن المحدود الذي يواجه الموت والمجهول. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة: “للقلب أسبابه التي لا يعرفها العقل”. فلقد أدرك باسكال أن العقل، مهما بلغت قوته، لا يستطيع أن يحسم الأسئلة الكبرى المتعلقة بالله والروح والآخرة. ولهذا لم يكن كتابه مشروعاً فلسفياً بالمعنى التقليدي، بل سلسلة من التأملات التي تكشف عن صراع داخلي عميق عاشه صاحبها وهو يحاول فهم معنى الإيمان. فالإنسان عند باسكال ليس “آلة عقلية” يمكن تحليلها كما فعل ديكارت، بل كائن يعيش في حالة قلقٍ دائم بين الإيمان والشك.
والآن، إذا تأملنا الفرق بين الكتابين لوجدنا أن التمايز بينهما لا يعود فقط إلى اختلاف الموضوعات، بل إلى اختلاف التجربة المعرفية التي انطلق منها كل منهما. فديكارت يكتب من داخل عقلٍ يسعى إلى النظام والوضوح والبرهان. أما باسكال فيكتب من داخل تجربة وجودية تتعامل مع الدين بوصفه لغزاً يمسّ جوهر الإنسان. ولهذا تبدو كتابات ديكارت أقرب إلى مشروع فلسفي منهجي، بينما تبدو خواطر باسكال أقرب إلى اعترافات فكرية نابعة من معاناة شخصية مع الأسئلة الكبرى.
كما أن المقارنة بين هذين الفيلسوفين تكشف عن مفارقة أخرى. فكلاهما كان رياضياً بارعاً، لكن الرياضيات قادت كل واحد منهما إلى طريق مختلف. فالرياضيات تمثل لديكارت نموذج اليقين الذي يمكن أن يمتد إلى الميتافيزيقا والدين. أما باسكال فقد رأى أن هذا اليقين الرياضي نفسه يكشف حدود العقل، لأن الإنسان الذي يستطيع أن يقيس الكون بالأعداد لا يستطيع في الوقت نفسه أن يجيب عن السؤال الأشد بساطة: لماذا وُجد البشر أصلاً؟
ومن هنا يمكن القول إن ديكارت أراد أن يجعل الدين مفهوماً للعقل، بينما أدرك باسكال أن الدين يبدأ تحديداً من النقطة التي يعجز فيها العقل عن الفهم.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن هذه المقارنة تظهر الفارق بين “Pensées” لباسكال وLes Passions de l’âme””  لديكارت ليس مجرد اختلاف بين كتابين، بل هو اختلاف بين نمطين من الوعي الفلسفي. فديكارت يمثل لحظة الثقة الكبرى بالعقل وقدرته على تنظيم العالم، بينما يمثل باسكال لحظة الشك في قدرة العقل على فهم المصير الإنساني. ولهذا قد يكون القرن السابع عشر قد شهد في الوقت نفسه ولادة العقلانية الحديثة، وولادة الوعي العميق بحدود العقل.

أضف تعليق