حين تتكلم الجذور العربية في اللغات الأوروبية… في نقد المركزية التأثيلية

من بين المسلّمات التي ترسخت في الوعي اللغوي المعاصر، تلك الفكرة التي تكاد تُعامل أحياناً بوصفها حقيقة نهائية، ومفادها أن المفردات الأوروبية لا تُفهم أصولها إلا داخل الإطار الذي رسمته المدرسة التأثيلية الهندوأوروبية. وقد نجحت هذه المدرسة، عبر ما راكمته من أدوات تحليلية ومنهجيات مقارنة، في بناء شبكة واسعة من الاشتقاقات التي تربط لغات أوروبا الحديثة بجذور مفترضة في اللغة الهندوأوروبية الأم. غير أن النجاح العلمي لأي نموذج تفسيري لا يعني بالضرورة أنه النموذج الوحيد الممكن، ولا أنه قادر على استيعاب جميع المسارات التي قد تكون الكلمات قد سلكتها في رحلتها الطويلة عبر التاريخ.
فاللغات، على خلاف ما تفترضه أحياناً الخرائط التأثيلية المغلقة، ليست أنظمة معزولة تتحرك داخل حدود عائلات لغوية صلبة، بل هي كيانات حية تنمو عبر الاحتكاك والتفاعل والتداخل الحضاري. وإذا أخذنا هذه الحقيقة بعين الاعتبار، فإن بعض الكلمات الأوروبية تبدو وكأنها تحمل في بنيتها الصوتية والدلالية آثاراً لجذور أقدم يمكن ردها إلى العربية.
ومن الأمثلة التي تستوقف الباحث الكلمة الإنجليزية gain التي تدل على الكسب والربح. فالمقارنة بينها وبين الجذر العربي “جنى” تكشف تقارباً لافتاً في البنية الصوتية والدلالة معاً؛ إذ إن “الجني” في العربية هو تحصيل الثمر أو الفائدة، وهو المعنى ذاته الذي تعبر عنه الكلمة الإنجليزية في استعمالها الحديث. وليس من الصعب تصور أن يكون هذا الجذر قد انتقل عبر مسارات تاريخية معقدة ليظهر في صورة مختلفة داخل البنية الجرمانية.
ومثال آخر نجده في الكلمة الألمانية”mal ” التي تعني “مرة”. فهذه الدلالة تقابل بصورة تكاد تكون مباشرة الجذر العربي “مَرَّة”، مع ملاحظة ظاهرة صوتية معروفة تتمثل في تبادل صوتي اللام والراء في عدد من اللغات، حيث قد يحل أحدهما محل الآخر عبر التحولات الصوتية التي ترافق انتقال الكلمات بين البيئات اللغوية المختلفة.
أما الكلمة الإنجليزية crime، التي تعني “الجريمة”، فيمكن النظر إليها في ضوء الجذر العربي “جَرَم “.فهذا الجذر اشتُقت منه في العربية كلمات مثل (جريمة وإجرام ومجرم)، وكان يدل في أصل استعماله على الفعل أو العمل، قبل أن يتخصص مع الزمن في الدلالة على الفعل السيئ. وهذا المسار الدلالي ليس غريباً في تاريخ الكلمات، إذ كثيراً ما تتحول الألفاظ من معنى عام إلى معنى أخلاقي أو قانوني محدد.
ويظهر مثال آخر في الكلمة الإنجليزية “crine” التي تدل على “الشَعَر”، ولا سيما شَعَر الحيوان. ويمكن ردها إلى الجذر العربي “غُرَّة” الذي يدل على خصلة الشعر أو مقدمته. ويبدو أن الكلمة قد مرت خلال رحلتها الطويلة بتحولات صوتية أدت إلى سقوط بعض الأصوات، فتحولت “غرة” في إحدى مراحلها إلى صيغة أقرب إلى “غُرَن”، وهو ما يمكن أن يكون الحلقة الوسيطة التي أدت إلى الشكل الأوروبي للكلمة.
أما الكلمة الإنجليزية rain ، التي تعني “المطر”، فيمكن النظر إليها في ضوء الجذر العربي “غيم”، إذ إن المطر في أصل تصوره اللغوي هو الماء النازل من الغيم. ومن اللافت أن الكلمة الألمانية “Regen” ، فإنها تشترك مع الكلمة الإنجليزية في بنية صوتية متقاربة، ما يوحي بإمكان وجود أصل اشتقاقي واحد سبق تفرع اللغات الجرمانية.
وتبلغ المفارقة التأثيلية ذروتها في الكلمة الفرنسية “rien ” التي تعني “لا شيء”. فهذه الكلمة تعود تاريخياً إلى تركيب مكوَّن من عنصرين هما ” res” و ” non”. فإذا تتبعنا المسار الأقدم لهذين العنصرين أمكن تصور علاقة بين كلمة res وبين الجذر العربي القديم غرض الذي يدل على الشيء أو المقصود، وهو المعنى ذاته الذي تحمله الكلمة اللاتينية في استعمالها. أما كلمة “non” فيمكن مقارنتها بأداة النفي العربية “لا”، مع ملاحظة ظاهرة تحول “اللام” إلى “نون”، وهي ظاهرة صوتية يمكن رصدها في عدد من اللهجات العربية حيث يتحول صوت اللام أحياناً إلى نون.
إن هذه الأمثلة، على تنوعها، تشير إلى احتمال أن يكون حضور الجذور العربية في اللغات الأوروبية أوسع مما تسمح به القراءة التأثيلية التقليدية. وليس المقصود من ذلك الادعاء بأن العربية هي المصدر الوحيد لهذه الكلمات، بل الإشارة إلى أن المشهد التأثيلي قد يكون أكثر تعقيداً وتشابكاً مما تفترضه النماذج الأحادية.
فاللغة، مثل التاريخ، لا تتحرك في خطوط نقية معزولة، بل في شبكات من التفاعل الحضاري الممتد عبر القرون. وإذا كانت المدرسة الهندوأوروبية قد نجحت في رسم خريطة واسعة لأصول الكلمات الأوروبية، فإن هذه الخريطة قد لا تكون سوى طبقة واحدة من طبقات أعمق لم تُستكشف بعد. وفي تلك الطبقات قد تظهر الجذور العربية القديمة، لا بوصفها استثناء عارضاً، بل بوصفها أحد الخيوط التي شاركت في نسج هذا النسيج اللغوي المعقد. وهكذا فإن إعادة النظر في بعض المسارات التأثيلية لا تعني بالضرورة هدم البناء الذي شيدته الدراسات اللغوية الحديثة، بل توسيع أفقه، وإدراك أن تاريخ الكلمات، مثل تاريخ البشر، هو تاريخ اختلاطٍ طويل لا يمكن اختزاله في سردية واحدة.

أضف تعليق