
أوقعَ الإنسانَ في مشاكلَ معرفيةٍ، ليس باليسيرِ إحصاؤها، هذا الإصرارُ من جانبِه على مقاربةِ القضايا الفكرية بعقلٍ دأبُه أنسنةُ هذه القضايا، وذلك بإكسائها لبوساً معرفياً يقولُ عنه أكثرَ بكثيرٍ مما يقولُه عنها. وخيرُ مثالٍ على ذلك الكيفيةُ التي تعاملَ بها عقلُ الإنسان مع الظاهرةِ الدينية، بشواخصِها الرئيسة، في كلِّ زمانٍ ومكان. فيكفينا أن نجولَ على التراثِ الديني في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها حتى نستيقنَ من حقيقةٍ مفادها أنَّ الإنسانَ لم يبذل، في الغالبِ الأعم، من جهدٍ معرفي وتهذيبٍ سلوكي ما يكفلُ له أن يحظى بفهمٍ لهذه الظاهرة يجعله أقربَ إلى الوقوعِ على معناها الحقيقي؛ هذا المعنى الذي توارى من وراءِ أكمةِ أنثروبومورفية جعلت الإنسانَ ينأى شيئاً فشيئاً عن فقهِ جوهرِ الدين، فاكتفى بقشورٍ وشكليات جعلته يتوهم الباطلَ حقاً، فكان أن آثرَ الإصغاءَ لكلِّ ما من شأنِه أن يزينَ له ما يجعله يرى نفسَه معياراً ومقياساً لما ينبغي أن يكونَ عليه إلهُه المعبود. ومن نافلةِ القولِ إنَّ هذا الإلهَ، الذي شرعَ الإنسانُ في التعبُّدِ له، هو ليس اللهَ الواحدَ الأحد الذي وصفَ نفسَه في قرآنِه بأنه “ليس كمثلِهِ شيء”.
ولنأخذ جانباً من جوانبِ هذا التعبُّدِ لهذا الإلهِ الذي صنعه الإنسان من “تَمرِه الذي يأكلُه”، وألبسَه حليةً هي أشبَه ما تكون بـ “ملابسِ الامبراطور العجيبة”! فأنى لهذا الإله المزعوم أن يكونَ هو الله الذي من بين مفرداتِ تمايُزِه عن الخلقِ كلِّهم جميعاً أنه وإن كان “يتواجدُ” معهم حيثما كانوا (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) فإنه “يوجد” أيضاً حيث لا يمكنُ أن يتواجدَ معه منهم أحد.
