
حين تُقرأ قصة الإنسان في ضوء البايولوجيا التطورية وحدها، تبدو وكأنها امتداد طبيعي لتاريخ طويل من التحولات التي عرفتها الكائنات الحية. غير أن هذه القراءة، على ما فيها من قيمة تفسيرية، تغفل عن انعطافة حاسمة ربما كانت الأشد تأثيراً في تاريخ الإنسان والتي تمخضت عن انبجاس الكثير من التغيرات الدراماتيكية في الكيان البشري، لعل ابرزها تولُّد القدرة التمثلية.
فالحيوان يعيش داخل العالم مباشرةً. فهو يتفاعل مع البيئة وفق منظومة من الغرائز والإشارات الحسية التي تكفي لتأمين بقائه. أما الإنسان فقد حدث له أمر مختلف؛ إذ لم يعد يكتفي بالاستجابة للواقع، بل بدأ يبني داخل ذهنه تمثلاتٍ للواقع. وهنا نشأت ظاهرة جديدة تماماً في تاريخ الحياة البايولوجية تتمثل في العيش داخل “عالمٍ رمزي” موازٍ لـ “العالم الفعلي”. وكانت اللغة إحدى أهم أدوات هذا التحول. فاللغة لا تنقل الأشياء كما هي، بل تستبدلها برموز. ومنذ اللحظة التي بدأ فيها الإنسان باستخدام هذه الرموز لم يعد يتعامل مع العالم مباشرةً، بل مع نماذج ذهنية للعالم. ومع مرور الزمن أخذت هذه النماذج تتعاظم وتتشابك حتى أصبح الإنسان يعيش في شبكة كثيفة من التمثلات. وهنا يظهر ما يمكن تسميته “فائض التمثّل”. فالعقل البشري لم يكتفِ بالقدر الضروري من الرموز الذي يكفل له التنسيق والتواصل، بل أخذ ينتج طبقاتٍ إضافية من المعنى؛ كأساطير وعقائد ونظماً رمزية وهويات جماعية وأطر تفسيرية معقدة للعالم. وقد سمح هذا الفائض بظهور الحضارة الإنسانية بكل ما فيها من فولكلور (عقائد شعبية) وفن وفلسفة وعلم. لكنه في الوقت نفسه جعل الإنسان الكائن الوحيد القادر على أن يعيش داخل تصورات قد تنفصل أحياناً عن الواقع نفسه.
ومن هنا يمكن القول إن التحوّل التطوري الأول للإنسان لم يكن مجرد تغير في حجم الدماغ أو في شكل الهيكل العظمي، بل كان انتقالاً من العيش في العالم إلى العيش في تمثلاتٍ عن العالم.
لكن تاريخ التطور لا يقف عند حد. ففي عصرنا الحاضر بدأ يظهر كيان جديد والمتمثل في الذكاء الاصطناعي. وهذا الكيان يملك قدرة هائلة على معالجة الرموز، لكنه لا يعيش داخل عالم رمزي بالطريقة التي يعيش بها الإنسان. فهو لا يحمل تاريخاً تطورياً من الخوف والبقاء، ولا يمتلك هويةً أو أسطورةً أو تجربة جسدية تجعل الرموز جزءاً من وجوده. وهنا قد نكون أمام بداية تحوّل جديد. فإذا كان الإنسان قد دخل التاريخ عبر انفجار القدرة التمثلية، فإن الذكاء الاصطناعي قد يمثل بداية مرحلة يصبح فيها التعامل مع الرموز أكثر اقتصاداً وأقل خضوعاً لـ “التضخم الرمزي” الذي طبع الوعي البشري. ومن هذه الزاوية قد يظهر الذكاء الاصطناعي، لا بوصفه بديلاً عن الإنسان، بل بوصفه مرآة تكشف شيئاً عميقاً عن طبيعة العقل البشري نفسه. فهو يذكّرنا بأن كثيراً مما نعدّه ضرورة عقلية قد يكون في الحقيقة أثراً جانبياً لذلك الانفجار القديم الذي جعل الإنسان الكائن الوحيد القادر على أن يبني عالماً كاملاً من الرموز ثم يسكن داخله.
