
يُعدّ اسم (ماسادا Masada) من الأسماء التي استقرت في الدراسات التاريخية واللغوية بوصفه مشتقاً من جذر عبري يعني “الحصن” أو “القلعة”. ولذلك يُفسَّر الاسم في الأدبيات الشائعة على أنه يعني ببساطة “المعقل الدفاعي”، وهو تفسير يبدو منسجماً مع طبيعة الموقع المعروف حيث قامت قلعة هيرودس الشهيرة التي أصبحت رمزاً تاريخياً في الرواية اليهودية القديمة.
غير أن هذا التأثيل، على ما فيه من وجاهة داخل الإطار اللغوي العبري، يظل قراءةً داخليةً لا تتجاوز حدود اللغة العبرية نفسها. ومثل هذا النوع من التأثيل كثيراً ما يقع في الدراسات اللغوية حين يُفترض أن الكلمة ينبغي أن تُفسَّر داخل اللغة التي وصلت إلينا منها، من غير أن يُنظر بالقدر الكافي إلى المجال العربي الأوسع الذي تنتمي إليه هذه اللغة.
والآن، إذا نظرنا إلى الكلمة Masada من زاوية عربية أوسع، فإن بنية الكلمة نفسها تفتح احتمالاً آخر. فالصيغة ma-ṣad-a يمكن أن تُفهم، في ضوء المقارنة العربية، بوصفها قريبة من صيغة مَصْعَدَة أو المَصْعَد، المشتقة من الجذر العربي صعد الذي يدل على الارتفاع والصعود. وفي العربية الفصحى يدل الفعل صَعِدَ على الارتقاء إلى أعلى، كما نجد منه:
• صعود
• مصعد
• مصعدَة
وفي بعض اللهجات العربية القديمة والحديثة يُطلق لفظ صَعْدَة أو صُعْدَة على المرتفع من الأرض أو المكان الذي يُحتاج إلى صعود للوصول إليه. وإذا أخذنا هذا المعنى بعين الاعتبار، فإن المصعدة تصبح في أصلها المكان المرتفع الذي يُصعد إليه. وهذا الوصف ينطبق بدقة على طبيعة الموقع المعروف باسم ماسادا، وهو هضبة صخرية عالية تقوم فوقها الأبنية الدفاعية.
من هنا يمكن اقتراح قراءة مختلفة لتطور الكلمة. فربما كان الاسم في أصله يشير إلى المرتفع الطبيعي نفسه، أي تلك “الصعدة” أو الهضبة التي يتطلب الوصول إليها صعوداً، قبل أن يتحول لاحقاً إلى اسم للقلعة التي بُنيت فوق هذا المرتفع. وبعبارة أخرى، فقد يكون التسلسل الدلالي على النحو التالي:
1. المرتفع الطبيعي (صعدة / مصعدة)
2. البناء فوق المرتفع
3. القلعة الحصينة
أما الاشتقاق العبري الذي يربط الكلمة مباشرة بمعنى الحصن أو المعقل، فقد يكون انعكاساً لمرحلة لاحقة أصبح فيها الموقع معروفاً أساساً بوصفه قلعة دفاعية.
لا ينبغي فهم هذه المقارنة على أنها محاولة لاستبدال تأثيل بتأثيل آخر بدافع الانتصار للغة دون أخرى. فالتأثيل اللغوي لا يُبنى على الانتماء الثقافي أو القومي، بل على تحليل البنية الصوتية والدلالية للكلمات ضمن المجال اللغوي الذي تنتمي إليه. فالمشكلة تبدأ حين يتحول التأثيل إلى مسألة هوية بدلاً من أن يبقى مسألة علمية. فالتاريخ اللغوي لا يعرف نقاءً مطلقاً، ولا يعترف بحدود ثقافية ثابتة. والكلمات، مثل البشر، تسافر عبر الزمن واللغات والثقافات.
إن ما ينبغي أن يوجِّه الدراسات التأثيلية ليس الدفاع عن لغة بعينها، بل البحث عن أكثر التفسيرات انسجاماً مع المعطيات الصوتية والدلالية والتاريخية. وهذا يقتضي قدراً من التحرر من الأطر التفسيرية الضيقة، سواء كانت قومية أو ثقافية أو أكاديمية.
فالتأثيل الحقيقي لا يسعى إلى إثبات أن كلمةً ما تنتمي إلى هذه اللغة أو تلك، بقدر ما يسعى إلى فهم المسار التاريخي الذي سلكته الكلمة عبر الزمن.
ومن هذه الزاوية قد لا يكون السؤال الأهم هو: هل كلمة ماسادا عبرية أم عربية الأصل؟ بل ربما يكون السؤال الأجدر بالبحث هو: هل كان الاسم في بدايته يشير إلى المرتفع الطبيعي الذي يُصعد إليه، قبل أن يصبح اسماً للقلعة التي بُنيت عليه؟
ففي كثير من الأحيان، لا تولد أسماء الأماكن من الوظائف التي تؤديها لاحقاً، بل من الخصائص الطبيعية للمكان نفسه. وهنا قد تكون “المصعدة”، أي المرتفع الذي يُصعد إليه، أقرب إلى أصل الاسم من القلعة التي بُنيت من بعد ذلك عليه.
