
ليس من السهل إحصاء المشكلات المعرفية التي أوقع الإنسان نفسه فيها بسبب ميلٍ متجذّر في عقله إلى أنسنة القضايا الفكرية. فالعقل البشري، حين يقترب من أي موضوع، يميل إلى أن يكسوه بلباسٍ معرفي يضيف إليه من عنده أكثر مما يكشف عنه. ومن أبرز الميادين التي تجلّى فيها هذا الميل بوضوح تعامل الإنسان مع الظاهرة الدينية وشواخصها الكبرى، وفي مقدمتها الله والروح والآخرة.
فلو جال المرء في تراث الأمم الديني شرقاً وغرباً، لأدرك سريعاً أن الإنسان لم يبذل، في الغالب الأعم، من الجهد المعرفي والتهذيب الروحي ما يكفل له فهماً يقترب من جوهر الدين. بل إن كثيراً من التصورات الدينية التي تراكمت عبر التاريخ لم تكن سوى نتاجٍ لنزعة أنثروبومورفية جعلت الإنسان يقيس الإله على نفسه، ويُخضع المطلق لمقاييس المحدود. وهكذا نشأت تصوراتٌ دينية لا تعبّر عن الله بقدر ما تعبّر عن صورة الإنسان وهو يتأمل ذاته في مرآةٍ ميتافيزيقية.
ولعل أخطر نتائج هذه النزعة أن الإنسان، وهو يظن أنه يعبد الله، قد ينتهي به الأمر إلى عبادة صورةٍ ذهنية صنعها هو نفسه، ثم أضفى عليها من الصفات ما يجعلها أقرب إلى عالمه المحدود من أن تكون تعبيراً عن الإله الذي وصف نفسه في القرآن بقوله: “ليس كمثله شيء”.
وهنا تبرز مسألةٌ دقيقة قلما يُلتفت إليها، وهي التمييز بين “وجود الله” و”تواجده”. فالوجود صفةٌ مطلقة لا تتعلق بمكان ولا زمان، ولا تدخل في شبكة العلاقات التي تقوم بين الموجودات داخل العالم. أما التواجد فليس سوى شكلٍ من أشكال الحضور داخل إطارٍ مكاني أو زماني، أي داخل النظام الذي تنتظم فيه الكائنات المحدودة.
ومن هنا تنشأ المفارقة التي كثيراً ما يغفل عنها العقل البشري: فالمخلوقات لا تملك إلا أن تتواجد داخل العالم، لأنها كائنات محدودة بحدود المكان والزمان. أما الله فلا يمكن أن يُفهم وجوده على هذا النحو، لأنه ليس كائناً من جملة الكائنات حتى يكون حضوره في العالم حضورَ واحدٍ منها.
ولذلك فإن النص القرآني: “وهو معكم أينما كنتم” لا يعني أن الله يتواجد في العالم كما تتواجد فيه مخلوقاته، بل يعني أن حضوره ليس مقيداً بالحدود التي تقيد هذه المخلوقات. فالله قد يتواجد مع خلقه بمعنى الإحاطة والعلم والقدرة، لكنه يوجد أيضاً حيث لا يمكن لأي مخلوق أن يتواجد. فالوجود الإلهي ليس وجوداً داخل العالم، بل هو وجودٌ يتجاوز العالم نفسه، بل إن العالم بأسره لا يقوم إلا به.
وهنا يتبين لنا أن الخلط بين الوجود والتواجد ليس مجرد خلط لغوي، بل هو خلطٌ أنطولوجي عميق قاد الإنسان، عبر تاريخ طويل، إلى أن يتصور الله كأنه كائنٌ يقف داخل الكون إلى جانب الكائنات الأخرى، لا بوصفه الأصل الذي يستمد الكون كله وجوده منه. ومن هنا يمكن القول إن تنزيه الله حق التنزيه لا يتحقق بمجرد نفي التشبيه اللفظي فحسب، بل يبدأ أولاً بتحرير العقل من وهمٍ معرفيٍ راسخ، هو وهمُ أن الوجود الإلهي يمكن أن يُفهم بالآليات نفسها التي يفهم بها الإنسان وجود الأشياء من حوله. فالله لا يتواجد في العالم كما تتواجد الموجودات، بل العالم كله يتواجد في ظل وجوده.
