
يُظهر التأمل في الخطاب القرآني أن تدخُّل الله تعالى في مجريات هذا العالم لا يجري على نمطٍ واحد، بل يتجلّى في مستويين مختلفين من الفعل الإلهي. فالمستوى الأول هو المستوى الذي يقوم عليه انتظام العالم في صورته المعتادة، وهو ما يمكن تسميته نظام الأسباب والنتائج؛ ذلك النظام الذي أودعه الله تعالى في الوجود يوم خلق السماوات والأرض. فقول الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. ولا يراد به بيان عدد الشهور فحسب، بل الإشارة إلى أن نظام العالم نفسه قد كُتب منذ اللحظة الأولى للخلق. فكتاب الله يومئذٍ لم يشتمل على عدد الشهور وحده، وإنما اشتمل على جملة القوانين التي تنتظم بها وقائع الوجود، والتي تتوالد من خلالها الأحداث في سلسلة متصلة من الأسباب والنتائج. وما استطاع الإنسان أن يكشفه من هذه القوانين عبر العلم إلا نزراً يسيراً من ذلك النظام الواسع الذي بُني عليه الكون. غير أن هذا النظام، على ما فيه من ثبات وانتظام، لا يستنفد وجوه الفعل الإلهي في العالم. فالقرآن يلفت النظر إلى نمط آخر من التدخل الإلهي يتجاوز منطق السببية المعتاد، ويتجلّى في قول الله تعالى للشيء إذا أراده: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾. وهذا النمط ليس هو القاعدة التي تسير عليها وقائع العالم اليومية، بل هو تدخل استثنائي يَخرق انتظام الأسباب حين تتعلق المشيئة الإلهية بوقوع أمرٍ بعينه.
وعند هذا الحد تتضح طبيعة العلاقة بين الدعاء والقدر. فالقدر، في معناه الكوني، هو ما سطره الله تعالى في كتابه يوم خلق السماوات والأرض من نظام الأسباب التي تفضي إلى نتائجها. إنه النظام الذي يسير العالم في ظله، والذي يجعل للأحداث مسارات يمكن توقعها في الغالب تبعاً للقوانين التي تحكمها.
أما الدعاء فهو اللحظة التي يتوجه فيها الإنسان إلى الله طالباً تدخُّل مشيئته خارج هذا المسار المعتاد. فالدعاء، من هذه الزاوية، ليس مجرد طلبٍ لفظي، بل هو استدعاء لإمكانٍ إلهي يتجاوز انتظام الأسباب. ولذلك كان الدعاء في التراث القرآني مرتبطاً بتلك الوقائع التي وقع فيها تبدّلٌ جذري في مجرى الأحداث.
فبعصا موسى التي انقلبت حيّة، وبضربة تلك العصا التي انشقّ بها البحر، وبالنار التي أصبحت برداً وسلاماً على إبراهيم، وبحمل مريم من غير أن يمسّها بشر، تتجلّى أمثلة على ذلك النمط من الفعل الإلهي الذي لا تحكمه القوانين المعتادة، بل يتحقق فيه مباشرة معنى “كن فيكون”.
وهكذا يغدو الدعاء، إذا شاء الله له الاستجابة، باباً يمكن أن ينفذ منه الفعل الإلهي إلى العالم متجاوزاً ما جرى به انتظامه المعتاد. فإذا كان القدر هو ما ثبّته الله من نظام الأسباب، فإن الدعاء هو ما قد يفتح المجال لتعليق هذا النظام أو تغييره بإذن الله.
وعلى هذا الأساس لا يكون الدعاء مجرد تعبير عن رجاء الإنسان، بل يصبح نقطة التقاء بين عالم السببية الكونية وبين المشيئة الإلهية التي لا يحدّها قانون. ومن هنا كانت قدرة الدعاء، إذا استُجيب له، على إحداث تحولات تتجاوز حدود المألوف، فتقع المعجزات والكرامات وخوارق العادات، وكل ذلك إنما يقع بإذن الله.
