بين ملحمة تولستوي وغلاف العلكة… فلسفة “العين الرائية” وإلهام المبدع

يقول ليكس لوثر: “قد يعجز معظم الناس عن تبين مقاصد رواية الحرب والسلام، بينما يجد آخرون في ورقة العلكة أسرار الكون”. قد تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى مجرد مفارقة ساخرة، لكنها في جوهرها تضع يدها على “الرابط العجيب” الذي يميز المبدع الحقيقي عن الشخص العادي؛ إنه الفرق بين “النظر” و”الإبصار”.
إن المبدع الأصيل لا يحتاج بالضرورة إلى الملاحم الضخمة أو المجلدات التي تنوء بها العصبة أولو القوة لكي يفهم الوجود. فبينما يضيع القارئ السطحي في تفاصيل “الحرب والسلام” دون أن يلامس روح التاريخ، فقد يقف العقل المبدع أمام غلاف علكة مرمي على قارعة الرصيف، فيرى فيه تكثيفاً للتاريخ البشري: يرى فيه ثورة الطباعة، واقتصاديات الاستهلاك، وتطور الذوق البصري، وحتى “هشاشة” اللذة العابرة التي تمثلها قطعة العلكة. وهذا العقل المبدع يتمتع بـ “قوة خفية”، وهي ليست سحراً، بل هي حالة من الصدق المطلق مع الذات ومع العالم. هذا الصدق يجعل وعيه “مغناطيساً”، يلتقط الإشارات الكونية من أبسط الأشياء.
إن استعانة المبدع بـ دفتر رسم أطفال أو مراقبته لـ حركة السيارات ليست هروباً من العمق، بل هي غوصٌ فيه بأسلوب مغاير. ففي خربشات الأطفال، يجد المبدع “البراءة الأولى” قبل أن تشوهها الأيديولوجيات. وعند مراقبة السيارات، يكتشف “ديناميكية الفوضى” (Chaos Theory) وتدفق الحياة الذي يشبه سريان الدم في العروق. وفي تتبع تطور كلمة عبر أرشيف الجرائد، يلمس المبدع روح العصور، وكيف تتبدل المفاهيم البشرية بتبدل الزمان، تماماً كما تتغير ملامح الوجه مع التقدم في السن.
وعندما يخلص المبدع في بحثه عن “أسرار الوجود”، تنشأ حالة من “التزامن” (Synchronicity)؛ حيث يبدو وكأن الكون يتواطأ معه ليرشده. فتجده يفتح كتاباً قديماً ليجد فيه الجواب الذي يبحث عنه، أو يلمح إعلاناً عابراً يحل له عقدة فلسفية كان يؤرقه فهمها.
إن “ورقة العلكة” هنا ليست مجرد غلاف لمنتج، بل هي “ماندالا” معاصرة لمن يعرف كيف يقرأها. هي دليل على أن الحقيقة ليست محبوسة في الكتب الضخمة فحسب، بل هي مبثوثة في كل ذرة، شريطة أن تتوفر “العين” التي تمتلك الشجاعة لترى “المطلق” في “النسبي”، و”الأبدي” في “العابر”.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن العبقرية ليست في قراءة رواية “الحرب والسلام”، بل في امتلاك الوعي الذي يجعل من قراءة “ورقة علكة” تجربة تضاهي في عمقها قراءة ملحمة تولستوي هذه. فالعقل المبدع هو ذاك الذي يعيد ترتيب شتات العالم، ليثبت لنا في كل مرة أن “الروابط العجيبة” هي التي تمسك بتلابيب هذا الكون من الانهيار.

أضف تعليق