لغز “السواد” اللندني… لماذا بكى الإنجليز تينيسون وحبسوا دموعهم عن بايرون ووردزورث؟

عندما رحل اللورد ألفريد تينيسون في عام 1892، لم يرحل مجرد شاعر للبلاط، بل بدا وكأن روح العصر الفيكتوري ذاتها قد لفظت أنفاسها الأخيرة. وفي مشهد مهيب، اتشحت لندن بسواد لم تعهده عاصمة الضباب من قبل، وقرعت أجراس الكنائس في ترنيمة حزن جماعي هزت أركان المدينة الصارمة. ومن المثير للدهشة أن تصدر هذه المشاعر الجياشة عن شعب يُعرف تاريخياً بـ “الصرامة الفيكتورية”؛ أولئك اللندنيون الذين كانت وجوههم تبدو وكأنها قُدت من صخر الضباب، والذين يفتخرون بجمود تعابيرهم وقدرتهم الفائقة على كبت العواطف. ولقد قيل في المأثورات اللندنية: “إن الإنجليزي لا يفتح قلبه إلا لـ كلبه أو جواده”، فكيف استطاع شاعر أن يكسر هذا الدرع الفولاذي؟ وكيف تحولت شوارع لندن من قسوة النظرات إلى رقة الدموع؟
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فإذا بحثنا في التاريخ، سنجد أن لندن لم تلبس السواد ولم تنكس الأعلام لرحيل عمالقة آخرين بنفس الكيفية؛ فاللورد بايرون، وعلى الرغم من عبقريته الشعرية الفذة وجاذبيته الأخاذة مات غريباً في اليونان، وكان يُنظر إليه في إنجلترا كشخصية فضائحية متمردة لا تمثل القيم الأخلاقية للمجتمع البريطاني المحافظ آنذاك. وشاعر الطبيعة ويليام وردزورث الذي عاش طويلاً، قوبل موته باحترام صامت وهادئ، لكنه كان بعيداً عن صخب المدينة وهموم “رجل الشارع” اللندني، إذ ظل أسير بحيراته الرومانسية. أما تينيسون، فلقد نجح فيما فشل فيه غيره؛ إذ أنه كان “مؤسسة” أكثر من كونه مجرد شاعر. ففي قصيدته “In Memoriam”، صاغ تينيسون شكوك العصر وصراعاته بين العلم والإيمان، فكان صوته الكتف الذي يستند إليه كل بريطاني فقد عزيزاً، حيث أنه كان يمثل الاستقرار والوفاء والحزن النبيل، وهي قيم كانت تعشقها الملكة فيكتوريا شخصياً، مما جعل حزنه “حزناً رسمياً” تتبناه الدولة والشعب معاً.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن مشهد لندن المتشحة بالسواد يوم رحيل تينيسون لم يكن مجرد جنازة لشاعر، بل كان اللحظة النادرة التي سمح فيها الإنسان الإنجليزي لنفسه بأن يكون “إنساناً” أمام الملأ، متخلياً عن صرامته المعهودة ليودع الرجل الذي علمه كيف يحزن حزناً يتجاوز “أناه” ولو لأمد قصير.
والآن، لنأخذ مقطعاً من قصيدة تينيسون الشهيرة “في ذكراه In Memoriam”
“خَيرٌ لَنَا أَنْ نَعشَقَ وَنَفْقِد، مِنْ أَنْ لا نَعشَقَ أَبَداً.”
“’Tis better to have loved and lost Than never to have loved at all”.
لقد مثلت هذه الكلمات “تصريحاً قانونياً” للمجتمع الفيكتوري الجاف بأن الحزن والارتباط العاطفي ليس ضعفاً، بل هو تذكيرٌ بقدر لابد وأن يُقر الإنسان به، وأن لا يتجاوز حزنه حد الاعتدال.
كما ونقرأ في قصيدته “دموع، دموع لا يرتجى نفع منها Tears, Idle Tears”
“دُمُوعٌ، دُمُوعٌ لا نفع يرتجى منها، لا أَدري ما كُنْهُها، دُمُوعٌ مِنْ أَعماقِ يَأْسٍ غامض، تَنْبَعُ في القَلْبِ، وَتَتَجَمَّعُ في العَيْنَيْن، عِنْدَ النَّظَرِ إِلى حُقُولِ الخَرِيفِ السَّعِيدَة، وَالتَّفْكِيرِ في الأَيَّامِ التي مَضَتْ وَلَنْ تَعُود.”
لقد لامس تينيسون بهذه الكلمات “الخريف” الداخلي في نفس كل لندني، وجعلهم يدركون أن خلف ملامحهم الصارمة تكمن بحار من الشجن المكتوم.
ونقرأ أيضاً في قصيدة تينيسون “عبور الحاجز Crossing the Bar”
” عَسَى أَنْ لا يَكونَ هُناكَ نَحِيبٌ عِنْدَ الوَداع، حِينَمَا أَمْخُرُ عُبَابَ البَحْرِ نَحْوَ المَجْهُول.. فَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَرَى مَلاَحِي (خَالِقِي) وَجْهاً لِوَجْه، بَعْدَ أَنْ أَكونَ قَدْ عَبَرْتُ الحَاجِز.”
لقد كتب تينيسون هذه القصيدة قبل وفاته بثلاث سنوات وطلب أن تكون دائماً في نهاية أي ديوان يُطبع له. وتعبر هذه القصيدة عن الهدوء والقبول بالموت.
والآن، لنا أن نتساءل عن السبب من وراء سقوط “الحاجز الجليدي” الذي كان يمثل حس اللامبالاة الانكليزي المعهود لتينيسون وبقاءه صامداً في وجه بايرون ووردزورث؟
تكمن الإجابة على هذا التساؤل في طبيعة العاطفة التي قدمها كل شاعر لشعبه؛ فبينما كان اللورد بايرون يمثل “العاطفة المتمردة” التي تصدم الوقار الإنجليزي بمغامراتها وفضائحها، وبينما كان وردزورث يمثل “العاطفة المنعزلة” التي تذوب في الطبيعة بعيداً عن ضجيج لندن، جاء تينيسون ليقدم للإنجليزي عاطفة تشبهه تماماً تتسم بالإنضباط. فعندما كتب تينيسون: “خيرٌ لنا أن نعشق ونفقد، من أن لا نعشق أبداً”، لم يكن يروج للتحلل من القيود كما فعل بايرون، بل كان يمنح الشرعية للحزن الإنساني داخل إطار “الواجب”. لقد جعل من الدموع عملاً نبيلاً لا ينقص من الإنضباط اللندني الصارم، بل يزيده عمقاً.
فلندن لم تلبس السواد على بايرون لأنها كانت تخشى تقلباته، ولم تلبسه على وردزورث لأنها لم تجد نفسها في تأملاته الريفية البعيدة، لكنها ارتدته على تينيسون لأنه كان “المرآة”؛ فلقد قرأ اللندنيون في قصيدته “دموع، دموع لا نفع يُرتجى منها” ترجمة دقيقة لحزنهم الصامت الذي يخبئونه خلف نظراتهم القاسية. فتينيسون لم يطلب منهم الثورة، بل طلب منهم “العبور بوقار”، وهذا تحديداً ما جعل تلك المدينة التي لا تُعبِّر عن مشاعرها إلا للكلاب والجياد، تنحني بكل ثقلها أمام جنازة رجلٍ علّمها كيف تحزن لفراق من لن يجود عليهم الزمان بمثله أبدا.
في نهاية المطاف، لم تكن جنازة اللورد تينيسون مجرد مراسم لدفن شاعر، بل كانت اللحظة التاريخية التي تصالح فيها “اللندني الصارم” مع دموعه. لقد برهن هذا المشهد المهيب على أن خلف الوجوه الجامدة التي لا تلين، والنظرات القاسية التي لا تفصح، قلوباً كانت تنتظر مَن يمنحها “شرعية البكاء”.
لقد رحل بايرون غريباً لأنه كان عاصفة لا تطمئن لها البيوت الإنجليزية، ورحل وردزورث هادئاً لأنه كان صدىً للجبال لا لزحام الشوارع، أما تينيسون فقد رحل كجزء من نسيج كل بيت؛ لأنه استطاع أن يروض الكبرياء البريطاني ويقنعه بأن الحزن على “الإنسان” قد يفوق أحياناً الوفاء لـ “الكلاب والجياد”.
وهكذا، ستبقى لندن مدينَةً لهذا الشاعر، ليس لأنه أهداها أجمل القصائد فحسب، بل لأنه في يوم رحيله، جعل الضباب يرتدي السواد، وأجبر تلك الوجوه الصخرية على أن تكترث للدموع، معلنةً أن “الجمود الإنجليزي” ليس سوى قشرة رقيقة، تذوب أمام صدق الكلمة وإتقان صياغة النص.

أضف تعليق