مفارقة العلم بين أسطورة الموضوعية واقتصاد القوة

ترسّخت في الوعي الحديث صورةٌ مثالية للعلم بوصفه النشاط الإنساني الأكثر نزاهةً وتجرداً. فالعلم، كما يُقدَّم في الخطاب الثقافي السائد، هو المجال الذي استطاع الإنسان فيه أن يتحرر من الأهواء والأيديولوجيات، وأن يخضع الحقيقة لميزانٍ واحد هو ميزان التجربة والبرهان. ولهذا كثيراً ما يُقال إن العلم هو النموذج الأرقى للعقلانية الإنسانية. غير أن التأمل في التاريخ الفعلي للعلم يكشف مفارقة لافتة. فالعلم الذي يُحتفى به بوصفه بحثاً حراً عن الحقيقة لم يكن في معظم مراحله نشاطاً معزولاً عن شبكة المصالح الاقتصادية والسياسية التي تحيط به. بل إن كثيراً من الاتجاهات الكبرى في البحث العلمي لم تتحدد بفضول العقل بقدر ما تحددت بقدرة التمويل وأولويات الدول ومصالح القوى الاقتصادية الكبرى. ومن هنا تبرز مفارقة يصعب تجاهلها مفادها أن العالم الذي يستطيع أن ينفق مئات المليارات على سباقات التسلح التكنولوجي، وعلى مشاريع علمية عملاقة ذات عوائد معرفية بعيدة أو غير مؤكدة، هو نفسه العالم الذي يُهمل أو يؤخر تمويل مجالات بحثية أخرى كان من الممكن أن يكون أثرها المباشر في فهم الحياة على هذا الكوكب أكثر عمقاً. ومن بين الأسئلة التي تكشف هذه المفارقة سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه شديد الإرباك في دلالاته: لماذا لا يزال الإنسان، حتى هذه اللحظة، عاجزاً عن فهم لغة الحيوان، فضلاً عن إقامة شكل من أشكال التواصل اللغوي المتبادل معها؟ فالإنسان الذي نجح في إرسال المسابير إلى أطراف النظام الشمسي، وطوّر حواسيب قادرة على معالجة بلايين العمليات في الثانية، لا يزال يقف حائراً أمام ظاهرة بايولوجية قريبة منه أشد القرب وهي أنظمة التواصل المعقدة لدى الكائنات الحية الأخرى.
فالحيتان، على سبيل المثال، تبادل أنماطاً صوتية شديدة التعقيد عبر مسافات هائلة في المحيطات. والنحل ينقل معلومات دقيقة عن مواقع الغذاء عبر ما يشبه “لغة الرقص”. أما بعض الرئيسيات والطيور فتستعمل إشارات صوتية وسلوكية تختلف باختلاف نوع الخطر أو السياق البيئي. ومع ذلك فإن هذه الظاهرة المدهشة، ظاهرة وجود أنظمة تواصل غير بشرية، لم تحظ، في معظم تاريخ العلم الحديث، بما تستحقه من الاهتمام البحثي مقارنة بغيرها من المشاريع العلمية.
وهنا يفرض سؤال نفسه بإلحاح: هل يعود هذا التأخر إلى استحالة علمية حقيقية، أم إلى طبيعة الأولويات التي تحكم الاقتصاد العالمي للبحث العلمي؟ فالعلم، في واقعه المؤسسي، لا يتحرك داخل فراغ معرفي محض، بل داخل ما يمكن تسميته “اقتصاد المعرفة”. وفي هذا الاقتصاد لا تُحدد الأسئلة العلمية وفق أهميتها المعرفية وحدها، بل وفق ما إذا كانت قادرة على جذب التمويل أو خدمة مصالح استراتيجية محددة. ومن هذا المنظور يبدو أن كثيراً من الأسئلة الكبرى المتعلقة بفهم الحياة نفسها لم تكن دائماً في صدارة الاهتمام العلمي، ليس لأنها أقل أهمية، بل لأنها أقل قابلية للتحول إلى قوة اقتصادية أو تكنولوجية مباشرة.
والآن، ماذا يقول الذكاء الاصطناعي في فهم لغة الحيوان؟ فمن منظور الذكاء الاصطناعي، لا يبدو فهم أنظمة التواصل لدى الحيوان أمراً مستحيلاً من حيث المبدأ. فالتقدم الهائل في تقنيات التعلم الآلي وتحليل الأنماط قد بدأ بالفعل يفتح نافذة جديدة على هذا المجال. فبعض النماذج الحاسوبية استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تميّز بين أصوات مختلفة للحيتان والدلافين، وتربط نداءات معينة لدى بعض أنواع القرود بسياقات محددة مثل التحذير من مفترس معين، وتحلل الإشارات الصوتية للطيور ضمن أنماط متكررة تشبه البنى اللغوية البسيطة. غير أن الطريق نحو فهم لغة الحيوان فهماً حقيقياً لا يزال طويلاً، وذلك لأسباب علمية عميقة، من أهمها:
أولاً: غياب المرجع الدلالي
فاللغات البشرية يمكن تحليلها لأن لدينا متحدثين يشرحون معاني الكلمات. أما الحيوان فلا تملك وسيلة تخبرنا من خلالها بما تعنيه إشاراتها.
ثانياً: اختلاف أنماط الإدراك
قد يكون إدراك الحيوان للعالم مختلفاً جذرياً عن إدراك الإنسان، مما يجعل ترجمة أنظمة تواصلها إلى مفاهيم بشرية أمراً شديد التعقيد.
ثالثاً: الطبيعة متعددة القنوات للتواصل الحيواني
فالكثير من الكائنات لا تعتمد على الصوت وحده، بل تمزج بين الصوت والحركة والرائحة والإشارات البصرية.
رابعاً: محدودية البيانات المتاحة
ففهم هذه الأنظمة يتطلب كميات هائلة من البيانات الميدانية المسجلة في البيئات الطبيعية.
ومع ذلك فإن الذكاء الاصطناعي، إذا وُجهت إليه الموارد البحثية الكافية، فإنه قد يصبح خلال العقود القادمة الأداة الأكثر قدرة على فك شفرات هذه الأنظمة التواصلية.
ما تكشفه هذه المفارقة أن السؤال عن لغة الحيوان ليس مجرد سؤال بايولوجي؛ حيث أنه نافذة تكشف شيئاً أعمق عن بنية العلم المعاصر. فالعلم، على الرغم من منهجيته الصارمة، ليس كياناً معرفياً يتحرك وفق منطق الحقيقة وحده، بل هو أيضاً مؤسسة اجتماعية تتحرك داخل شبكة معقدة من القوى الاقتصادية والسياسية. ولهذا فإن الصورة التي تقدم العلم بوصفه نشاطاً منزهاً تماماً عن هذه القوى تبدو، في كثير من الأحيان، أقرب إلى الأسطورة الثقافية منها إلى الواقع التاريخي. فالعلم، مثل أي نشاط إنساني آخر، يخضع بدوره لما يمكن تسميته “اقتصاد الأولويات”؛ حيث تُطرح بعض الأسئلة لأنها قابلة للتمويل، بينما تُهمَل أسئلة أخرى رغم عمقها لأنها لا تخدم مباشرة موازين القوة في العالم.
ومن هنا فإن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل سننجح يوماً ما في فهم لغة الحيوان؟ بل السؤال الأعمق هو: أيُّ الأسئلة نختار أن نطرحها أصلاً؟ ففي نهاية المطاف، قد لا يكون العائق الأكبر أمام بعض الاكتشافات العلمية هو عجز العقل البشري، بل الطريقة التي يقرر بها العالم ما يستحق أن يُبحث فيه، وما لا يستحق.

أضف تعليق