
عبر التاريخ، واجهت كل ظاهرة تخرج عن مألوف العصر ردة فعل تتسم بـ “الإنكار المبدئي”. والمفارقة التاريخية تكمن في أن المنطق الذي استخدمه كفار قريش أو الفريسيون لرفض معجزات الأنبياء، هو ذاته المنطق الذي استخدمه الكهنوت الأوروبي في القرون الوسطى ضد غاليليو، وهو ذاته الذي يستخدمه بعض “العلماء” اليوم لرفض الظواهر الخارقة. إننا أمام سايكولوجية دفاعية واحدة، تتغير مصطلحاتها ويبقى جوهرها.
فحين جاء الأنبياء بمعجزات تخرق العادة، لم يكن رد المعارضين هو البحث العلمي، بل كان الوصم. فقديماً، كان الوصم الجاهز هو “السحر” (Magic) . فالسحر في المنطق القديم كان يعني “التلاعب بالحواس” أو “خداع الأعين”، وذلك مصداق قول الله تعالى في الآية الكريمة 116 من سورة الأعراف: {قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}، وذلك في إشارة إلى سحرة فرعون الطاغية. أما حديثاً، فلقد استبدل المشككون كلمة “سحر” بمصطلح “علم زائف” (Pseudoscience) أو “خداع بصري” أو “تأثير بلاسيبو”. والرابط في كلتا الحالتين هو نزع “الحقيقة” عن الظاهرة وتحويلها إلى مجرد “تلاعب” بالعقل، دون مراجعة إمكانية وجود قانون طبيعي أعمق لم نكتشفه بعد.
تتشابه اعتراضات رجال المؤسسة الدينية مع اعتراضات “الأرثوذكسية العلمية” في نقطة جوهرية ألا وهي الحفاظ على مركزية التفسير.
1. المؤسسة الدينية تخشى من الظواهر الخارقة التي تأتي من خارج نظامها (كظواهر الروحانيات أو التخاطر)، لأنها قد توحي بأن “الغيب” متاح للجميع وليس حكراً على الطقوس الرسمية.
2. المؤسسة العلمية تخشى من الظواهر التي لا تمر عبر “بوابات المختبر”، لأن قبولها يعني هدم جدار “المادية الصارمة” الذي بُني عليه العلم الحديث.
والنتيجة أن كلاهما يرفض الظاهرة لأنها تهدد “البارادايم” (النموذج الفكري) السائد الذي يمنحهما السلطة المعرفية.
وتعتمد اعتراضات المشككين والعلماء وبعض رجال الدين أحياناً على مبدأ “هذا لا يمكن أن يحدث، إذاً هو لم يحدث”.
وبينما كان اعتراض الأقدمين على المعجزات التي ظهرت على أيدي أنبيائهم مفاده ما ذكرته الآية الكريمة: {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} (من 6 التغابن) (استحالة أن يكون البشر واسطة للغيب). أما اعتراض العلماء على الظواهر الخارقة فمفاده أن المعجزات “تخرق قانون الديناميكا الحرارية” (استحالة أن يتأثر المادي بغير المادي). والتشابه بينهما يجعل من “معلوماتنا الحالية” سقفاً نهائياً للحقيقة، تماماً كما أنكر البعض قديماً إمكانية طيران الحديد (الطائرات) لأن “طبيعة الحديد الغرق لا الطيران”.
إن التاريخ يعيد نفسه بصورة ساخرة:
• المغناطيسية، ففي بداياتها، اعتبرها العلماء ضرباً من السحر والشعوذة لأنها “تأثير عن بُعد” بلا وسيط مادي ملموس.
• التنويم المغناطيسي (المسيمرية)، فقد عوقب “فرانز مسيمر” من قِبل الأكاديمية العلمية في باريس واعتُبر دجالاً، واليوم يُدرس التنويم كفرع رصين في علم النفس الإكلينيكي.
• الطاقة الذرية، فقد سخر كبار العلماء (ومنهم رذرفورد) من فكرة استخراج الطاقة من الذرة ووصفوها بـ “الخزعبلات”، قبل أن تصبح واقعاً غير وجه العالم.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الاعتراضات التي يسوقها المشككون اليوم هي “نسخة كربونية” مطورة تقنياً من اعتراضات الأقدمين. والفرق الوحيد هو أن القدماء كانوا يحاكمون “المعجزة” بمعايير “القبيلة”، والمحدثون يحاكمون “الظواهر الخارقة” بمعايير “المختبر المادي”. والحقيقة تظل دائماً أكبر من المؤسسات، سواء كانت دينية أو علمية. وكما قال الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون: “إن عقولنا، التي صُممت لخدمة العمل، تجد صعوبة في قبول ما لا يخدم الآلة المادية”.
