حين تصنع المختبراتُ الإمبراطوريات

لطالما سعت الأمم منذ فجر التاريخ لامتلاك الثروة، فكُتبت القصص عن الذهب والحرير والتوابل. لكن المتصفح لصحائف التاريخ، بعيده وقريبه، يدرك يقيناً أن “العلم” هو أغلى سلعة وضعت الدول يدها عليها. إنها السلعة التي لا تخضع لقوانين العرض والطلب التقليدية، بل تخضع لإرادة من يملك “الطموح” و”الوفرة المالية”. فالعلم هو المادة الخام الوحيدة القادرة على تحويل الخيال إلى جيوش منيعة، وتحويل الطموح السياسي إلى امبراطوريات تخضع لها الأعناق.
لم يكن بزوغ نجم الغرب وتسيّده للعالم وليد صدفة أو نتاج تفوق عرقي، بل كان نتيجة مباشرة لامتلاك “مفاتح العلم”. فالإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر لم تكن “عظمى” لولا المحرك البخاري، وتطور الملاحة، وعلوم الكيمياء التي صنعت سلاحاً لا يُقهر. لقد أدركت الدول الغربية مبكراً أن العلم هو “الخادم الطيع” الذي بإمكانه أن يجسد أحلامها على أرض الواقع، فاستثمرت فيه بوصفه “رأس مال” سياسي وعسكري قبل أن يكون رأس مال معرفي.
وهنا تبرز المفارقة الصادمة؛ فهل يمثل هذا التقدم شهادة بـ “عظمة العلم” بمعناه الإنساني النبيل؟ إن الواقع يشير إلى عكس ذلك؛ فما يقرب من 75% من هذه العظمة قد استُلب وجُيّر لصالح مشاريع استعمارية وتوسعية. لقد جرى تسخير الاكتشافات العلمية في قوالب براقة ظاهرها “الرفاهية والتحضر”، وباطنها “شرٌ مستطير”. فالعلم الذي أوجد الدواء، هو نفسه الذي طور الغازات السامة والأسلحة الفتاكة، والعلم الذي أتاح التواصل، هو ذاته الذي مكن من أدوات الرقابة والسيطرة. فنحن نعيش اليوم في رغد من العيش وتمدن لا ينكره إلا جاحد، ولكننا في الحقيقة ندفع “ضريبة” باهظة مقابل ذلك. إنها ضريبة الصمت والقبول بأن يجري تسخير هذا النور المعرفي لخدمة نزوات وأهواء طغاة لا يرون في العلم إلا أداة لترسيخ نفوذهم. إن رفاهيتنا الحديثة هي الوجه الجميل لعملة قبيحة، حيث يجلس العلم أسيراً في مختبرات القوة، يُوظف لخدمة مطامع أولئك الذين يتوهمون أن من حقهم السيطرة على العالم ولو على جثة الحقيقة العلمية ذاتها.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن العلم في جوهره حيادي، لكنه حين يصبح “سلعة” في يد من يملك المال والقوة فإنه يتحول إلى أداة طيعة بين يدي الطموح الجامح. إن بزوغ نجم الأمم اليوم مرهون بما تمتلكه من معرفة، لكن أخلاقيات تلك الأمم رهينة بكيفية توظيف هذه المعرفة. فهل نعيش عصر العلم لأجل الإنسان، أم عصر الإنسان الذي يُستهلك في خدمة العلم “المُسلَّع” والموظف لخدمة أهواء وأطماع قلة من البشر تسيدت المشهد وفرضت على العالَم منطقها الذي تكون السيادة المطلقة فيه للنفس الطاغية؟

أضف تعليق