كتابُ الله يومَ خلقَ السماواتِ والأرض… قراءةٌ في البُنيةِ الكونية للقدَر في القرآن

يقول الله تعالى في سورة التوبة: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. قد يبدو للوهلة الأولى أن هذه الآية لا تتجاوز بيان عدد أشهر السنة. غير أن التدبر في بنيتها اللغوية يكشف عن طبقة أعمق من المعنى؛ ذلك أن الآية لا تكتفي بذكر عدد الأشهر، بل تربط هذا العدد بعبارة ذات دلالة كونية واسعة هي قول الله تعالى: “في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض”. وهذه العبارة تفتح أمام القارئ أفقاً أوسع من مجرد الحديث عن التقويم. فهي تشير إلى أن هذا الانتظام الزمني لم ينشأ في التاريخ الإنساني، ولم يكن نتيجة اتفاق اجتماعي أو اصطلاح حضاري، بل كان جزءاً من النظام الذي كُتب في كتاب الله منذ اللحظة الأولى لخلق العالم.
وهنا تبرز إحدى السمات العميقة في التصوير القرآني للوجود؛ فالقرآن لا يقدم العالم بوصفه تجمعاً عشوائياً للأشياء، بل بوصفه نظاماً محكوماً بسنن ثابتة أودعها الله تعالى في بنيته منذ بداية الخلق. فالخلق في الرؤية القرآنية لم يكن مجرد إيجاد للموجودات، بل كان في الوقت نفسه تأسيساً للنظام الذي تنتظم به هذه الموجودات.
ومن هنا يمكن فهم قول الله تعالى “كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض” على أنها تشير إلى ما يمكن تسميته بـ”السجل الكوني للقوانين التي تحكم العالم”. فالله تعالى لم يخلق الكون ثم يتركه يسير في فوضى تنتظم لاحقاً، بل أوجد العالم ضمن منظومة من القوانين والسنن التي تضبط حركته منذ اللحظة الأولى. وإذا كان عدد الأشهر قد كُتب في هذا الكتاب منذ لحظة الخلق، فإن من الصعب تصور أن يكون هذا هو الأمر الوحيد الذي اشتمل عليه ذلك الكتاب. فهذه الآية الكريمة 36 من سورة التوبة إذ لا تفصل محتويات هذا الكتاب “الكوني الشمول”، فإنها بالمقابل تتحدث، وبشيء من التفصيل، عن مفردة واحدة فحسب من مفردات هذا الكون. وبذلك يصبح ذكر عدد الأشهر في الآية أقرب إلى نموذج يلفت الانتباه إلى مبدأ كوني عام، وهو أن العالم محكوم بقوانين أودعها الله تعالى فيه منذ لحظة الخلق. فكما ينتظم الزمن في دورات محددة، تنتظم أيضاً حركة الأجرام السماوية وتعاقب الفصول وتوازن الأنظمة الطبيعية في الكون وفق سنن دقيقة.
وهنا يلتقي مفهوم كتاب الله بمفهوم القدر في التصور القرآني. فالقدر لا يعني مجرد التقدير الغيبي للأحداث، بل يشير أيضاً إلى أن الأشياء خُلقت وفق مقادير محددة وقوانين مضبوطة. ولهذا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. فالقدر، بهذا المعنى، ليس سوى التعبير القرآني عن النظام الذي تنتظم به الأشياء في الكون. إنه البنية الخفية التي تجعل العالم قابلاً للفهم، وتجعل الظواهر الكونية تتحرك وفق أنماط يمكن إدراكها واستكشافها.
ومن هنا يمكن القول إن القرآن يقدم رؤية للعالم تقوم على فكرة أن الكون ليس مجرد وجود، بل هو وجود منظم؛ أي عالم محكوم بسنن وقوانين أودعها الله تعالى فيه منذ اللحظة الأولى لخلقه. ويبدو أن قول الله تعالى “في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض” تلمّح إلى هذه الحقيقة الكونية الكبرى. فالعالم، في ضوء هذه الرؤية، ليس مسرحاً للفوضى، بل هو نظام كوني دقيق كُتب منذ البداية. وما انتظام الزمن في عدد الأشهر إلا مثال واحد من أمثلة كثيرة على هذا النظام الشامل الذي يشمل ما علمه الإنسان وما لم يعلمه بعد.
وهكذا تكشف الآية، في صياغتها الموجزة، عن فكرة عميقة في الرؤية القرآنية للكون مفادها أن الخلق لم يكن مجرد بداية للوجود، بل كان في الوقت نفسه بداية لنظامٍ كوني مكتوب بقي يحكم حركة العالم منذ تلك اللحظة الأولى.

أضف تعليق