في تدبر قول الله تعالى: “فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ”

نقرأ في سورة التوبة، وفي الآية الكريمة السادسة والثلاثين، قول الله تعالى:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. فالقراءة السريعة لهذه الآية قد توحي بأن المقصود منها هو مجرد بيان عدد أشهر السنة. غير أن التأمل في العبارة القرآنية نفسها يكشف عن دلالة أعمق بكثير من هذا المعنى المباشر. فقول الله تعالى “في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض” لا يكتفي بإخبارنا بعدد الأشهر، بل يشير إلى حقيقة أوسع تتصل بطبيعة النظام الذي أُقيم عليه هذا العالم منذ اللحظة الأولى لوجوده.
فالآية لا تقول إن عدد الأشهر اثنا عشر شهراً فحسب، بل تؤكد أن هذا العدد قد كُتب في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض. وهذه الإضافة الزمنية، أي ربط الأمر بلحظة الخلق نفسها، تحمل دلالة معرفية عميقة؛ إذ تشير إلى أن هذا الانتظام الزمني ليس حادثاً في التاريخ الإنساني، ولا نتيجةً لاتفاقٍ بشري أو تقليدٍ حضاري، بل هو جزء من البنية الكونية التي أُقيم عليها العالم منذ نشأته الأولى.
ومن هنا يمكن فهم هذه الآية بوصفها إشارة إلى مبدأ أوسع، وهو أن الله تعالى حين خلق السماوات والأرض لم يخلق الأشياء فحسب، بل خلق معها النظام الذي تنتظم به هذه الأشياء. فالوجود لم يظهر في صورة فوضى تنتظم لاحقاً، بل نشأ منذ اللحظة الأولى محكوماً بقوانين وسنن أودعها الله تعالى في بنيته.
وعلى هذا الأساس يصبح من الصعب تصور أن يكون عدد أشهر السنة هو الحدث الوحيد الذي اشتمل عليه “كتاب الله” يوم خلق السماوات والأرض. فذكر هذا المثال في الآية لا يبدو مقصوداً لذاته وحده، بل لأنه نموذج واضح على نمطٍ أوسع من الانتظام الكوني؛ ذلك النمط الذي تخضع له كل الظواهر في هذا الكون، من حركة الأجرام السماوية إلى تعاقب الأزمنة والدورات الطبيعية التي يقوم عليها انتظام الحياة.
فإذا كان عدد الأشهر يخضع لهذا النظام الكوني المكتوب منذ لحظة الخلق، فإن من المعقول أن يكون هذا النظام نفسه مسؤولاً عن كل الظواهر التي تنتظم بها حركة الكون. وبذلك يصبح “كتاب الله” المشار إليه في الآية أقرب إلى ما يمكن تسميته سجلّ القوانين الكونية التي أُقيم عليها هذا العالم.
وهكذا تكشف لنا هذه الآية، في صياغتها الموجزة، عن مبدأ عميق في الرؤية القرآنية للكون: وهو أن العالم ليس مجرد موجودات متجاورة، بل هو نظام محكوم بسنن ثابتة أودعها الله تعالى فيه منذ اللحظة الأولى للخلق. ومن هنا فإن انتظام الزمن، الذي يتجلى في عدد أشهر السنة، ليس إلا وجهاً واحداً من وجوه هذا النظام الكوني الشامل الذي يشمل ما علمنا منه وما لم نعلم.

أضف تعليق