في كسر احتكار التأثيل… واستعادة الذاكرة الصوتية للكلمات

ليس أخطر ما في اللغة أن تتغير، بل أن يُعاد تأويل تغيّرها بوصفه قطيعة. وليس أخطر ما في التأثيل أن يخطئ، بل أن يتحوّل إلى نظام مغلق يمنع السؤال. لقد نجحت المدرسة الهندوأوروبية، عبر قرنٍ من العمل المنهجي، في فرض نموذجٍ صارم لتفسير أصول الكلمات. نموذجٌ يبدو علمياً في ظاهره، لكنه في عمقه يقوم على افتراضٍ غير مُعلن مفاده أن تاريخ اللغة يمكن احتواؤه داخل عائلة واحدة، وأن ما يقع خارجها يُستبعَد أو يُهمَّش. غير أن اللغة كالحياة لا تعترف بالحدود التي يرسمها لها العقل المتأخر.
فيقال لنا إن كلمة thirst تعود إلى الجذر الهندوأوروبي ters الذي يعني الجفاف.
وهذا صحيح، لكنه ليس كافياً. لأن السؤال الحقيقي ليس: ما معنى الجذر؟ بل: من أين جاء هذا الجذر نفسه؟ وهنا يبدأ الصمت. فإذا أعدنا النظر خارج الإطار المغلق، يظهر لنا احتمال آخر أكثر بداهة مما يُظن. فالجذر العربي (صاد / صادي)، الذي يعني (الجفاف، اليبوسة، انقطاع الرطوبة) يقدم لنا تأثيلاً مغايراً هو الأقرب الى الحقيقة. فهذا التشابه ليس تشابهاً عارضاً، بل تطابق دلالي كامل. والأهم أنه يمكنه تفسير الفروقات الصوتية دون أي تعسّف، وذلك كما يتبين لنا فيما يلي:
• السين الى الثاء (تحول احتكاكي طبيعي)
• السين المفخمة الى صاد (في العربية)
• التاء/السين الى الدال (أصل تقاربي في بعض البيئات الصوتية القديمة)
فتتحول الكلمة، عبر سلسلة من الانزلاقات الصوتية، دون أن تفقد معناها:
صاد إلى س/ت الى ث إلى Thirst
إن ما حدث لا يمثل ولادة كلمة جديدة، بل تآكل صوتي تدريجي لكلمة أقدم. لكن النموذج السائد لا يرى هذا، لأنه لا يبحث عنه أصلاً.
كما ويقال لنا إن كلمة deem تُفسَّر على أنها “حكم” أو “تقدير”، وتُربط بجذر جرماني أنتج أيضاً كلمةdoom. ومرة أخرى، فالتفسير صحيح، ولكنه ناقص. لأننا إذا سألنا: ما هو الأصل الدلالي الأعمق لفعل “الحكم”؟ سنجد أنفسنا أمام الجذر العربي (ظنّ). فالظن في العربية ليس مجرد تخمين، بل هو تقدير أو ترجيح أو بناء حكم ذهني؛ أي أنه الفعل العقلي نفسه الذي تعبّر عنه كلمة deem. أما التحول الصوتي، فهو أقل غرابة مما يُتصوَّر:
• فـ (ظ) تحولت الى (D) وهذا تبسيط صوتي من احتكاكي مفخم إلى انفجاري
• و (ن) تحولت الى (m) وهذا تحول أنفي شائع
فنحصل على: ظن الى دن الى دم  deem
ومرة أخرى، لا نرى كلمة جديدة، بل إعادة تشكيل صوتي لجوهر دلالي ثابت.
إن ما يكشفه هذان المثالان ليس مجرد احتمال تأثيلي، بل خلل أعمق، فنحن لا نخطئ في الكلمات، بل في الطريقة التي نفهم بها تاريخها. فلقد تعوّد العقل اللغوي الحديث أن يرى اللغات كجزر منفصلة؛ فهذه هندوأوروبية، وهذه سامية، وهذه معزولة. لكن هذا التقسيم قد يكون، في كثير من الحالات، نتيجة للتاريخ العلمي وليس للتاريخ اللغوي نفسه. فاللغة لا تنتقل عبر النظريات، بل عبر البشر؛ عبر الاحتكاك وعبر الهجرة وعبر التحول الصوتي البطيء وعبر النسيان. وما نسميه اليوم “اختلافاً جذرياً” قد لا يكون سوى تراكمات صغيرة من الانزياحات الصوتية التي أخفت الأصل المشترك.
إن هذه المقالة لا تدعو إلى استبدال نموذج بآخر، ولا إلى إعلان “أصل عربي” لكل شيء. بل يدعو إلى شيء أبسط وأخطر؛ يدعو الى تحرير التأثيل من احتكاره النظري، أي أن نسمح بفرضيات عابرة للعائلات اللغوية ونعيد اختبار المسلمات وننظر إلى التشابه الدلالي والصوتي بوصفه دليلاً، لا مصادفة
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن المشكلة التأثيلية المعاصرة تكمن في كوننا قد فقدنا القدرة على تتبع التغير الذي لحق بالكلمات خلال رحلة تطورها عبر العصور. فكلمة (Thirst) ليست سوى أثر بعيد لذاكرة الجفاف، وكلمة (deem) ليست سوى صدى قديم لفعل الظن. وما بين الأثر والصدى تقف اللغة الحديثة واثقةً من انقطاعها عن أصلها العربي القديم. بينما هي، في الحقيقة، امتدادٌ لما تظن أنها نسيته من ذلك الماضي البعيد.

أضف تعليق