كيف أثَّرت الحربُ الأهلية في تحول أمريكا بصورةٍ تدريجية إلى امبراطوريةٍ عالَمية؟

كانت الحربُ الأهلية الأمريكية من أبرزِ معالم التاريخ الأمريكي، وذلك لما تمخضت عنه من نتائج شكَّلت التاريخَ الأمريكي كما لم يفعل أيُّ حدثٍ مفصَليٍّ آخر من الأحداث التي توالت على أمريكا منذ أن وطأت قدمُ الرجل الأبيض أرضَها. ولن أخوضَ هنا في أيِّ تفاصيلٍ تتعلق بما شهدته تلك الحرب الطاحنة الضروس من فظاعاتٍ ومجازرَ وأعمالٍ أقلُّ ما يُقال فيها إنها كشفت عن حقيقةِ الإنسان حين يُسلِمُ قِيادَه لنفسِه تحرِّكُه أنى تشاء. فيكفي تلك الحرب أن عددَ ضحاياها، من العسكريين والمدنيين، فاقَ مجموعَ ضحايا الحروب التي خاضتها أمريكا منذ نهايةِ تلك الحرب وحتى يومِنا هذا.
ما أريد أن أشدَّ الانتباهَ إليه هنا يتعلق بالدورِ الذي أدَّته تلك الحرب في صياغةِ العقيدة القتالية التي تعيَّن على حُكام أمريكا أن يتقيَّدوا بها وألا يحيدوا عنها البتة. فلقد أدرك نفرٌ من الجهابذة أنَّ هذه الحرب إن كانت قد انتهت على خير، فبقي الاتحادُ قائماً وهُزِمَ الجنوب، فإنَّ هذا لا يلزم عنه بالضرورة أنها لن تتكررَ مرةً أخرى، قد لا تسلم فيها الجرَّة هذه المرة، فيؤول الأمرُ بأمريكا إلى التشظِّي والانقسام. ولذلك فلقد استقرَّ رأيُ أولئك المفكرين العباقرة على أنَّ الأمرَ يقتضي إذاً أن يعملوا جهدَهم على “إدارةِ الاختلاف” بين مكونات المجتمع الأمريكي، وبالكيفيةِ التي تضمن أن توجَّهَ الطاقةُ الكامنةُ من وراءِ ذلك الاختلاف، الأحادي العلة، المتعدد الأسباب، خارجَ الجغرافيا الأمريكية. صحيحٌ أنَّ اختلافَ البشر أمرٌ “طبيعي”، وفقاً للمعايير النفسية- الاجتماعية، وأنه يتعذر بالتالي كبحه أو منع الآثار السلبية المترتبة عنه، كما تشهد بذلك أحداثُ الماضي وتؤيدُها وقائعُ الحاضر، إلا أنَّ ما يمكنُ فعلَه هو “إدارة” هذا الاختلاف والعمل على توجيهِ طاقتِه السلبية بعيداً عن الأرضِ الأمريكية، وبما يضمن ألا يتكررَ ذاتُ سيناريو الحرب الأهلية مرةً أخرى.
إنَّ هذا المخطَّط “الافتراضي” قد لا يكون مجردَ تصورٍ خيالي لا وثائقَ مكتوبة تؤيدُه، إلا أنَّ تتبعَ كافةِ الحروب التي نشبت ضمن الجغرافيا الأمريكية كفيلٌ بأن يقولَ لنا شيئاً آخر! فالجغرافيا الأمريكية ظلت تتوسع شيئاً فشيئاً عبر صفقاتٍ، كتلك التي تأتَّى لهذه الجغرافيا أن تتوسَّعَ بموجبها، وبشكلٍ استثنائي، كما حدث في صفقةِ شراء ولاية لويزيانا من فرنسا، وصفقة شراء ألاسكا من روسيا القيصرية، أو بالقتالِ مع قوى استعمارية كانت قد شرعت بالأفول كالامبراطورية الاسبانية التي ازدادت الجغرافيا الأمريكية مساحةً عندما فازت حكومةُ واشنطن بولايةِ تكساس وولايةِ كاليفورنيا، أو عبر الاستعمار المباشر كما حدث مع ما كان قد تبقى من الشعوبِ الأصلية لأمريكا.
إن تاريخَ العالَم في القرنِ العشرين، وفيما انقضى من القرن الحادي والعشرين، لا يمكن على الإطلاق أن يُفهَمَ الفهمَ الصائب إلا بأن تؤخذَ الحربُ الأهليةُ الأمريكية بالحسبان، وذلك باعتبارِها الحدث الذي لولاه، ولولا ظهور تلك الجمهرة من العباقرة والجهابذة التي استطاعت أن تتبيَّنَ العبرةَ من وراءِ ما حدث فجعل الأخَ يقتلُ أخاه والجارَ يستولي على مزرعةِ جارِه، ما كان لحكامِ أمريكا أن يتوصلوا إلى النتيجةِ التي لولاها ما كانت أمريكا لتحافظَ على جغرافيتها، ولا أن تصبحَ امبراطوريةً توشك أن تكونَ عالميةً بلا منازع.

أضف تعليق