وحدة الوجد… فرادة الاستشراق الإيطالي في قراءة التصوف الإسلامي بين النزعة الوجدانية الإيطالية والصرامة الأكاديمية الأوروبية

لم يكن الاستشراق يوماً كتلة معرفية صماء؛ بل تلونت رؤاه بالخلفيات الثقافية والسياسية لمستشرقيه. وفي حين انشغلت القوى الاستعمارية الكبرى، كبريطانيا وفرنسا، بدراسة الإسلام كبنية سياسية أو اجتماعية تخدم أغراض العقلية الاستعمارية، انفرد الاستشراق الإيطالي، المتجذر في إرث عصر النهضة والنزعة الإنسانية بالبحث عن “المشترك الروحي”. وتبرز هنا فرضية أساسية تبناها المستشرقون الإيطاليون مفادها أن التجربة الصوفية في الإسلام والمسيحية هي تجربة ذاتية متطابقة في جوهرها، تهدف لترسيخ علاقة الفرد بالخالق بعيداً عن صرامة المؤسسات الدينية التقليدية.
فقد تميزت المدرسة الإيطالية، من خلال أعمال رواد مثل أليساندرو باوزاني والمعاصر جوزيبي سكاتولين، بتبني منهج “المشاركة الوجدانية” (Simpatia) .فبالنسبة لهؤلاء، لم يكن التصوف مجرد “موضوع” للدراسة الباردة، بل “حالة إنسانية” نابضة. ولقد اعتقد المستشرقون الإيطاليون أن “الدرويش” المسلم و”الراهب الجوال” المسيحي كلاهما سعيا لكسر “حاجز الوساطة”. فبينما كانت الكنيسة في روما والفقهاء في الشرق يضعون الأطر الشرعية والقانونية للعلاقة مع الله، كان الصوفي يطرح بديلاً “وجودياً” قائماً على الحب (Eros) .ويظهر هذا بوضوح في دراسات سكاتولين الذي عقد مقارنات مذهلة بين “تائية” ابن الفارض وكتابات القديس يوحنا الجوال، معتبراً أن “ليلة النفس المظلمة” هي كدح إنساني واحد، لا تحده جغرافيا ولا عقيدة مؤسسية.
وعلى النقيض تماماً، اتسم الاستشراق الإنجليزي (تمثله أعمال نيكسون وآربري) بالانضباط الأكاديمي الصارم والنزعة النصية (Textualism) .فلقد نظر المستشرقون الإنجليز إلى التصوف كمنظومة فكرية أو أدبية راقية، لكنهم ظلوا يحاذرون من فكرة “التشابه الجوهري” مع التجربة الصوفية المسيحية. فالمستشرق الإنجليزي فضل عزل التصوف داخل المخطوطات، باحثاً عن أصوله في الفلسفة اليونانية أو الفكر الهندي، محولاً إياه إلى “مادة للتشريح الفكري”، وذلك لأن الاستشراق البريطاني كان يستكثر على العقل العربي أن يكون بمقدوره انتاج نصوص صوفية تعبِر بكل تلك البراعة والاتقان عن تعقيدات “التجربة الصوفية الفردية”. فالمستشرقون الإنكليز كان اهتمامهم ينصب على “الجانب الوظيفي” للتصوف، كما أحبوا أن يتخيلوه، ولذلك فلقد درسوا الطرق الصوفية كلاعبين في الساحة السياسية والاجتماعية للشعوب المستعمَرة.
أما المدرسة الاستشراقية الفرنسية، وعلى الرغم من عمقها الروحي المتمثل في لويس ماسينيون، فلقد ظلت محكومة بالمنهج التاريخي والفيلولوجي (المتعلق بفقه اللغة). فلقد ركز ماسينيون على شخصية الحلاج، لكنه قرأها من زاوية “الشهادة” (Le Témoignage) التي تقترب كثيراً من المفهوم الكاثوليكي للفداء. فلقد أرسى ماسينيون تقليداً في مقاربة التصوف الإسلامي، لايزال معتمَداً حتى يومنا هذا، مفاده أن معاناة الحلاج تبرهن، وبما لا يقبل الشك، على أن التصوف الإسلامي قد استقى مادته من العقيدة الكاثوليكية، وخصوصاً في جانبها المركزي المتمثل بالخلاص  عبر التضحية. ثم أتبع دراسته للحلاج بدراسات لشخصيات صوفية مسلمة أخرى محاولاً إيجاد نماذج “مسيحانية” داخل الإسلام. وفي حين انشغل المستشرقون الفرنسيون بالأبعاد السياسية والاجتماعية للزوايا الصوفية في المغرب العربي وأفريقيا، كان الإيطاليون يرحلون مع “خيال” ابن عربي و”جماليات” الرومي، باحثين عن “الإنسان الكامل” الذي يأبى أن يتقيد بالقيود التي فرضها أولئك الذين نصبوا انفسهم سدنةً للدين.
والآن، فإذا كانت المدرسة الاستشراقية البريطانية، ونظيرتها الفرنسية، قد أساءت وبشكل كبير فهم فرادة التصوف الإسلامي وتمايزه الاستثنائي عن كل تجربة صوفية سبقت، فإن المدرسة الاستشراقية الإيطالية، في المقابل، آمنت بأن التجربة الصوفية هي “المنطقة المحايدة” التي لا تميز بين الناس وفقاً لشرعتهم ومنهاجهم، وأن ما يجمع بين الناس المختلفين في الشرعة والمنهاج هو صدقهم واخلاصهم وتقواهم لله. فالمستشرق الإيطالي، القادم من بيئة تشبعت بالصراع التاريخي بين سلطة “الفاتيكان” وجموح “المفكر الحر”، استطاع فهم “تمرد الصوفي” المسلم على القوالب الجامدة التي افترضها “سدنة الدين”. فالاستشراق الإيطالي كان ينظر الى كرامات الأولياء لا على أنها “خرافات شعبية”، بل على أنها تعبير عن طاقة الروح الفردية التي تحررت من قيود هؤلاء السدنة، فاستحقت بذلك أن ينالها من فضل الله ونعمته ما يتجلى على أرض الواقع خوارق وكرامات. فلقد رأى المستشرقون الإيطاليون في “الدرويش” أيقونة للحرية الروحية، معتبرين أن أنين ناي جلال الدين الرومي هو نفسه “التوق المختبئ” في ترانيم القديس فرنسيس الأسيزي.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن ما قدمه الاستشراق الإيطالي في مجال دراسة التصوف الاسلامي، هو محاولة لـ “أنسنة” العلاقة مع الشرق. فلقد نجح المستشرقون الايطاليون في تحويل التصوف إلى لغة عالمية، تثبت أن الروح الإنسانية، في سعيها نحو المطلق، تتشابه في أشواقها ومعاناتها، سواء كانت تذكر الله، بالعربية في تكايا القاهرة، أو باللاتينية في خلوات دير القديس فرانسيسكو الأسيزي. إن ما قدمة الاستشراق الإيطالي في دراسته للتصوف الإسلامي هو إعلان عن وحدة الوجد الإنساني الذي يتجاوز جدران المؤسسات ليحلق في رحاب الحق.

أضف تعليق