
في القرن الثالث عشر، قدّم الفكر اللاهوتي المسيحي قمتين شاهقتين تمثلتا في توماس الأكويني الذي بنى صرحاً عقلانياً للدين، وفرنسيس الأسيزي الذي جعل من حياته لاهوتاً معاشاً. فبينما اتجه الأكويني نحو “الأكاديميا” ليخاطب العقل، اتجه الأسيزي نحو “البرية” ليخاطب الوجدان، مما خلق تمايزاً مذهلاً بين “منطق الإيمان” و”حرارة التجربة”.
فلقد اعتمد الأكويني مقاربة عقلانية نسقية. فالإيمان، من وجهة نظره، لا يتناقض مع العقل، بل يكمله؛ حيث أنه تبنى منطق أرسطو حول “المحرك الأول”، وجعل من العقيدة نظاماً متكاملاً (Summa Theologica) بالإمكان تفكيكه وفهمه عبر القياس المنطقي. فالطبيعة عند الأكويني هي مجال للدراسة العقلانية التي تقود إلى الخالق. والإنسان كائن عاقل، ومعرفته لله تمر عبر “الاستنتاج” من المخلوقات. وقد انعكس ذلك في سلوكه كباحث ومنظِّر، فكان يرى أن عبادة الله القصوى تتم عبر “الرؤية العقلية” واستيضاح الحقائق الإلهية بدقة رياضية. ولذلك فليس من المغالاة القول بأن توماس الأكويني هو أرسطو بثوب مسيحي.
وعلى النقيض تماماً، فلقد كان الأسيزي يرى أن التعقيد المنطقي قد يكون جداراً يحجب رؤية الدين على حقيقته. فالأسيزي لم يسعَ إلى “إثبات” وجود الله، بل إلى “تذوق” آثار تجلي الله في الوجود. فعقيدته كانت قائمة على المحاكاة (Imitatio Christi) وليس على البرهنة، وقوام هذه العقيدة السلوكية أن يجتهد الإنسان حتى تكون معيشته متماهية مع المثال الذي قدمه السيد المسيح في تواضعه لله وإشفاقه على خلقه. فبدلاً من “المحرك الأول” البارد، الذي استعاره الأكويني من أرسطو، رأى الأسيزي آثار رحمة الله في كل ما يجول فيه ببصره ويرمقه نظره في السماء والأرض. فالطبيعة لديه ليست مادة للقياس المنطقي، بل هي محراب للصلاة. ولقد تمثل إيمان الأسيزي في الزهد المطلق (الفقر) والخدمة الجسدية. وكان يرى أن المنطق قد يقود إلى الكبرياء، بينما الفقر والتبسيط يقودان إلى “الحرارة” التي تذيب قسوة القلوب. ولذلك استحق الأسيزي أن يوصف بأنه الراهب الذي أرسى دعائم لاهوت “المنكسرة قلوبهم لأجل الله”.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أنه يمكننا أن نخلص الى نتيجة مفادها أنه وبشيء من التحفظ على بعض “شطحات” الأكويني المنطقية، أن مقاربته الأرسطوية، وعلى الرغم من “برودتها” الظاهرية، فإنها كانت تهدف إلى مخاطبة العقل المشكك بما يفند حججه ويدحضها، بينما كانت “حرارة” الأسيزي تهدف إلى التشديد على الدور التعبدي للإنسان حتى لا يستغني بالمؤسسة الدينية عن تجربته الدينية الفردية. إن إيمان “القلوب المنكسرة” عند الأسيزي هو الذي بث الروح في نظام الأكويني، ومنطق الأكويني هو الذي منح التعبير المنطقي للمعاني الوجدانية التي تضمنتها كلمات الأسيزي.
