
نقرأُ في سورةِ الطلاق، وفي الآيةِ الكريمة 6 منها، قولَ اللهِ تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى). فما هو معنى “وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ” في هذه الآيةِ الكريمة؟ وهل لهذا الأمرِ الإلهي خصوصيةٌ تجعله مقيَّداً بسياقِ ورودِه في هذه الآيةِ الكريمة فحسب؟
يعين على تبيُّنِ الإجابةِ على هذين السؤالين أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادها أنَّ القرآنَ يشدِّد في مواضعَ منه كثيرة على وجوبِ إشاعةِ التعاملِ بالمعروف في كلِّ سياقٍ ذي صلةٍ بالآخر كائناً مَن كان، وفي أي ظرفٍ حياتي يقتضي ذلك التعامل. ومن ذلك ما هو ذو صلةٍ بحيثياتِ وتفاصيلِ عمليةِ الطلاق، خصوصاً ما كان منها ذو صلةٍ بالنساء إن كنَّ أولاتِ حمل. وينسحب هذا الأمرُ الخاص بالمعاملةِ بالمعروف على سياقاتٍ إنسانيةٍ أخرى، كأمرِ اللهِ تعالى (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) (من 15 لقمان) الوارد في سياقٍ موصولٍ بعلاقةِ المرء بوالدَيه.
ولذلك فإن قصرَ هذا الأمرِ الإلهي بالمعاملةِ والائتمارِ بالمعروف على سياقٍ قرآني بِعينِه فحسب هو مما لا يتسقُ مع منهاجِ القرآن الذي يتبيَّنُ لكلِّ مَن يتدبَّره بأنه نزَّاعٌ لإشاعةِ الخير وتعميمِ الفائدةِ والمنفعة دون أي تحديدٍ يقصرهما على حالةٍ محددة. فيكفي القرآنَ حرصاً على إشاعةِ المعاملة بالمعروف أن يعرِّفَ خيرَ أمةٍ أُخرِجت للناس بقولِه تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (104 آل عِمران)، وقولِه تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (110 آل عِمران).
