
يتحرك الحيوان في هذا العالم ضمن هندسة غريزية صارمة؛ فهو محكوم بقوانين البايولوجيا التي لا تترك حيزاً للخطأ أو التأويل. لذا، فإن “الاضطراب” في عالم الحيوان هو دائماً “عطل ميكانيكي” ناتج عن إصابة فايروسية، كما نرى في حالة السعار (داء الكلب)، حيث يهاجم الفيروس الجهاز العصبي فيحول الكائن إلى آلة محطَمة. أما الإنسان، فهو الكائن الوحيد الذي يمتلك “امتياز” الجنون بمعناه الوجودي والسايكولوجي. فالجنون البشري ليس مجرد عطب في الخلايا، بل هو تجلٍ لـ الهشاشة الإنسانية الفريدة؛ تلك الميزة التي جعلت الإنسان يخرج على صرامة الطبيعة وقوانينها.
يتفوق الإنسان على الحيوان لا بقوته، بل بـ قابليته للكسر. هذه الهشاشة البايولوجية والنفسية والعاطفية هي الثمن الذي دفعه الإنسان مقابل وعيه المتضخم وخياله الجامح. فنحن كائنات لا تحطمها الجراثيم فحسب، بل تحطمها “الرموز” (إخفاق مهني أو خيبة عاطفية أو شعور بالعدم). هذه الضغوط تخلق تصدعاً في الذات لا يملك الحيوان “ترف” الشعور به. ومن هنا ينبثق الجنون كاستجابة “إنسانية” قصوى؛ إنه اللحظة التي يقرر فيها العقل أن الواقع لم يعد مكاناً صالحاً للسكنى، فيشرع في بناء “واقع بديل”.
في عمله الاستقصائي الضخم “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”، كشف الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أن الجنون لم يكن دائماً “مرضاً”. ففي عصور السابقة، كان المجنون يُعتبر حاملاً لنوع من “الحكمة المأساوية” أو بصيراً يرى ما لا يراه العقلاء. لكن مع بزوغ عصر الحداثة والعقلانية الصارمة، تم عزل هذه “الهشاشة” خلف قضبان المصحات. يرى فوكو أن المجتمع الحديث اخترع “السجن الطبي” للجنون ليس لعلاجه، بل لإخفاء حقيقة أن الإنسان كائن هش وغير مستقر. فلقد أراد العقل الحديث أن يطرد “النشوز” الإنساني ليعيد الإنسان إلى حظيرة “الآلة” المنتجة والمطيعة، تماماً كما هي الطبيعة.
من الناحية النفسية، يمكننا فهم الجنون بوصفه آلية دفاعية ذهنية. فعندما تصبح الضغوط النفسية أكبر من قدرة “الهشاشة الإنسانية” على تحملها، يحدث ما يسميه علماء النفس “الانفصام الذهاني”. فحين يفشل الإنسان في تحقيق ذاته في الواقع، قد يمنحه الجنون “هوية بديلة” (عظمة أو اضطهاد) لكي يحمي جوهره من الانهيار الكامل. وإذا كان منطق العالم ظالماً أو قاسياً، فإن الجنون هو نبذ هذا المنطق والارتحال إلى عالم لا تحكمه قوانين السببية. فإن المجنون، بهذا المعنى، هو الشخص الذي تشظت مرايا نفسه، فاختار أن يعيش في تلك الشظايا بدلاً من أن يواجه قبح الصورة الكاملة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الجنون، بتنوع أصنافه وأشكاله التي لا حصر لها عند البشر، يظل الشهادة الأكبر على أننا لسنا مجرد حيوانات متطورة. فنحن كائنات “تتألم بالمعنى” وتمرض بـ “الفكرة”. إن هذه الهشاشة التي تجعلنا قابلين للجنون هي ذاتها التي تجعلنا قادرين على الإبداع وعلى الحب وعلى التمرد. فالجنون هو الصرخة التي تذكرنا بأننا لسنا “آلات بايولوجية”، بل نفوس قلقة تسعى دائماً لتجاوز قوانين المادة، حتى لو كان الثمن هو الضياع في دهاليز العقل.
