تصدُّع المرآة… الجنون كشهادة على الهشاشة الإنسانية بين ميشيل فوكو وكولن ويلسون

تظلُّ الهشاشةُ الإنسانية الجرحَ المفتوح الذي تحاول الحضارات ردمه بالمنطق والنظام، لكن “الجنون” يأتي دائماً ليكون تلك المرآة التي تعكس ما نخشى مواجهته. إن فهم الجنون كظاهرة لا ينبغي أن ينطلق من كونه “عطباً بايولوجياً”، بل باعتباره تعبيراً قَصَوياً عن هشاشة الكائن أمام اغتراب الوجود وصرامة المؤسسة التي تدَّعي العقلانية.
في تشريحه لتاريخ الجنون، يرى ميشيل فوكو أن الجنون ليس حقيقة طبية ثابتة، بل هو بناء اجتماعي وتاريخي. فالمؤسسات الحديثة، عبر عقلانيتها الصارمة، قامت بنفي المجنون وتدجينه خلف جدران المصحات، ليس لعلاجه، بل لعزله باعتباره صوتاً يهدد انضباط المجتمع وتماسكه الزائف. فبالنسبة لفوكو، الجنون هو تلك اللحظة التي تتكشف فيها الهشاشة الإنسانية حين يعجز العقل عن احتواء فيض التجربة الوجودية، فيتم وصم هذا العجز بأنه مرض لتبرير إقصائه عن المشهد العام.
وهنا يلتقي فكر فوكو مع الرؤية الثورية للمفكر البريطاني كولن ويلسون. ففي كتابه العمدة “اللامنتمي”، وما تلاه في “ما بعد اللامنتمي” و”الدين والمتمرد” ( والذي ترجم الى العربية بعنوان “سقوط الحضارة”)، يقلب ويلسون الطاولة على مؤسسات التحليل النفسي والسلوكي. فبينما تحاول هذه المؤسسات إقناعنا بأن المبدع أو “اللامنتمي” هو شخص عصابي يعاني من خلل في التكيف، يثبت ويلسون عبر استعراض نماذج فذة من تاريخ الإبداع البشري حقيقتين صادمتين:
1. الخَطب ليس في المبدع: فالمبدع ليس مريضاً لأنه يرفض المجتمع، بل هو “أكثر صحة” لأنه استطاع أن يبصر الزيف والآلية المزيفة التي يحيا بها البشر.
2. المجتمع هو العليل: إن ما يسميه المجتمع “تكيُّفاً” هو في نظر ويلسون حالة من “النوم المغناطيسي”. فـ “اللامنتمي” هو الشخص الذي أدرك هشاشة هذا البنيان الاجتماعي وتفاهة غاياته، فبدأ يشعر بـ “الغثيان” أو “الجنون” نتيجة لوعيه الحاد، لا لمرضه النفسي.
فالمفكر الألماني فريدريك نيتشه يظهر كأوضح مثال على “اللامنتمي” الذي دفع ضريبة تشخيص العلة تردياً متواصلاً في صحته وصولاً الى انهيار تام لقدراته العقلية. وقد انتهى بعدها الى حالة من الجنون المطبِق، وهو الذي سبق وأن أعلن أن “الإنسان حبل مشدود فوق هوة”. فنيتشه أقر بهشاشة الإنسان كقدر محتوم لا فكاك منه، وحين انهار عقله في نهاية حياته، لم يكن انهياره خللاً في جهازه العصبي بقدر ما كان صدمة الوعي التي لم يحتملها جسده الهش أمام “موت المعنى” في العالم الحديث، وهذا المعنى المفقود هو ما أكده أوزوالد شبنغلر في رؤيته لتدهور الحضارات. فشبنغلر رأى أن الحضارة في طورها المتأخر تتحول إلى “مدنية” متصلبة وآلية، تفتقر إلى الروح وتنبذ كل ما هو فطري. وفي هذا المناخ “الشبنغلري” المتصلب، يغدو إحساسُ المبدع بأن “المجتمع يعاني خطباً ما” حقيقةً موضوعية؛ فالمجتمع قد تحجر، وما يراه الناس جنوناً في المبدع ليس إلا محاولته الأخيرة لاستعادة صلته بـ “الهشاشة الحية” التي قتلتها الآلية الاجتماعية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن ما استعان به كولن ولسون من أمثلة، قد نجح في الوصول إلى ذات النتيجة التي انتهى إليها ميشيل فوكو، والتي مفادها أن الجنون ليس إلا إقرار صادق بالهشاشة الإنسانية. فـ “الخَطب” الذي يشعر به المبدع هو في الحقيقة خَطب يشترك فيه البشر جميعاً، لكن المبدع وحده يملك الشجاعة (أو الهشاشة) ليعترف بذلك. إن رؤية كولن ويلسون تستحق الإشادة، لأنها سلطت الضوء على دور المبدع في كشف النقاب عن الخَطب البشري المشترك الذي نعاني منه كلنا جميعاً، وحوَّلت الجنون من ملف طبي إلى شهادة فلسفية.
إن هذه المقالة تمثل دعوة لنرى في هشاشتنا أصلاً للوعي، لا عيباً يجب مواراته خلف جدران المصحات أو خلف أقنعة التكيف الاجتماعي الزائف.

أضف تعليق