
لم يعد إنكار الظواهر الخارقة اليوم موقفاً علمياً بقدر ما أصبح موقفاً نفسياً، دفاعاً معرفياً عن نظام تفسيري اعتاد أن يرى في نفسه الكفاية. فالعقل الحديث، وقد نجح في تفكيك نزرٍ يسير من قوانين الطبيعة، توهّم أن ما لم يُفسَّر بعد هو مجرد “فراغ مؤقت” سيُملأ لاحقاً، وليس دليلاً على حدود هذا العقل نفسه. وهنا تحديداً يبدأ الخلل.
إن الموقف الرافض للظواهر الخارقة بحجة غياب الدليل التجريبي ينطوي على افتراض خفي مفاده أن ما لم يُقاس ضمن أدواتنا الحالية فهو غير موجود! غير أن هذا الافتراض، عند تفكيكه، يكشف عن مفارقة صارخة مفادها “كيف يمكن لأداة محدودة، نشأت داخل نظام معين، أن تدّعي الإحاطة بكل ما يمكن أن يتجاوز هذا النظام؟”.
لكن المفاجأة الحقيقية لا تكمن خارج الإنسان بل فيه. فالإنسان ذاته هو أكبر “خرق” لنظام الطبيعة الذي نزعم أننا قد تمكنا من تفسيره. فإذا ما نظرنا إلى الكائنات الحية وفقاً لمنطق البايولوجيا الكلاسيكية، وجدنا أنها تخضع لمعادلات واضحة تتمثل في اقتصادٍ في الطاقة، وتوظيفٍ دقيق للوظائف الحيوية، وتوازنٍ بين الحاجة والسلوك. غير أن الإنسان، ومنذ التحويلة التطورية الأولى، خرج على هذا الاقتصاد خروجاً جذرياً. فلقد أصبح كائناً يعاني من “فائضٍ” لا تفسير له داخل المنطق البايولوجي الصرف:
• فائض في العدوان، حيث أنه لا يقتل فقط من أجل البقاء، بل من أجل فكرة أو رمز أو حتى وهم.
• فائض في النشاط الجنسي، حيث إن الجنس لم يعد وظيفة تكاثرية، بل أصبح مجالاً رمزياً مشحوناً بالدلالات والانحرافات عن غايته الطبيعية.
• هشاشة مزدوجة، بدنية ونفسية، تجعله، رغم تفوقه التطوري، أكثر عرضة للانهيار من كائنات أدنى منه تعقيداً تطورياُ.
وهذه ليست “تفاصيل جانبية” في الكائن البشري، بل هي خلل بنيوي يطال صلب تكوينه البايولوجي-الفسيولوجي. وهي، بهذا المعنى، تمثل خرقاً واضحاً لما يمكن أن نسميه “اقتصاد الطبيعة”.
وهنا تظهر الضرورة المعرفية لما يمكن تسميته بـ “الميتابايولوجيا”. فالبايولوجيا، بوصفها علماً يدرس الحياة ضمن شروطها الطبيعية، تعجز عن تفسير كائن خرج على هذه الشروط. لا لأنها قاصرة في ذاتها، بل لأن “الموضوع الجديد” لبحثها لم يعد مطابقاً لأدواتها المعرفية. فنحن أمام كائن لم يعد “طبيعياً” بالمعنى الدقيق، بل أصبح كائناً “ما-بعد-طبيعي” أي كائناً “ميتابايولوجياً”.
ومن هنا ينبثق السؤال الحاسم: إذا كان الإنسان نفسه، بكل ما فيه من اختلالات وفوائض، يمثل ظاهرة “خارقة” لنظام الطبيعة الذي نعرفه، فلماذا نستكثر على الوجود أن يحتوي على ظواهر أخرى خارقة لأنظمة أخرى، كالنظام الفيزيائي مثلاً؟
بعبارة أكثر صراحة: كيف نقبل بوجود كائن يخرق قوانين الاقتصاد البايولوجي، ثم نرفض، بدعوى “العقلانية”، إمكانية وجود ظواهر تخرق ما نظن أنها قوانين نهائية للفيزياء؟ إن هذا التناقض لا يكشف عن صرامة منهجية، بل عن “انتقائية معرفية”.
فالمشكلة ليست في غياب الأدلة، بل في طريقة تعريفنا لما يُعد دليلاً. فنحن لا نرى أبعد مما ترينا إياه نماذجنا التفسيرية، وهذه النماذج نفسها مبنية على عيّنة ضئيلة جداً من الواقع. إننا، في الحقيقة، لا نعيش في كونٍ مفهوم، بل نعيش في جزء مفهوم من كون هو في معظمه غير مفهوم. ومن هنا، فإن الموقف الأكثر عقلانية ليس إنكار الظواهر الخارقة، بل تعليق الحكم عليها ضمن أفق أوسع يعترف بحدود المعرفة البشرية.
إن الاعتراف بوجود ما يتجاوز قدرتنا على التفسير هو ليس هزيمة للعقل، بل هو إعلان انتصاره الحقيقي لأنه لحظة إدراكه لذاته ولحدوده وقدراته. فالكون لا يُمكن أن يُختزل بالنظريات التي نصوغها عنه، كما أن الإنسان لا يُختزل بالمعادلات التي نصفه بها. وبين هذين الحدّين، يتشكل فضاء واسع من الظواهر التي لا تزال خارج متناول التفسير، لكنها ليست بالضرورة خارج نطاق الوجود.
وبناءً على ما تقدم، فإن الوقت قد حان لنعيد صياغة السؤال نفسه. فالسؤال هنا إذاً هو ليس “هل توجد ظواهر خارقة؟”، بل “كيف أقنعنا أنفسنا بأن ما نعرفه يكفي لنفي ما لا نعرفه؟”.
