
نقرأ في الآيةِ الكريمة 26 من سورةِ المائدة: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ).
تتحدث هذه الآيةُ الكريمة عن معجزةٍ شهدها قومُ النبي موسى من بعد إصرارِهم على عصيانِه حين حرَّضهم على دخول الأرضِ المقدسة التي كتبها اللهُ تعالى لهم: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) (من 21 المائدة). وهنا يبرز تساؤلٌ حول كيفيةِ تجلِّي القدَرِ الإلهي المتعلق بـ “التَّيه”، مفاده “ما الذي حدث فجعل من المتعذَّرِ على قومِ موسى أن يغادروا أرضَ سيناء، ويدخلوا الأرضَ المقدسة، مدةَ أربعين سنة؟”.
قد يظنُّ البعض أنَّ هذا العجز كان التزاماً من جانبهم بتنفيذِ أمرِ اللهِ تعالى لهم، أو أن سيدَنا موسى أشرف بنفسِه على ضمانِ تحققِ أمرِ المنعِ هذا. وهذان ظنان يتعارضان مع ما عرَّفنا به القرآن من سابقِ سلوكِ قومِ النبي موسى معه، وكيفيةِ استقبالِهم أوامرِ الله. فلا يبقى هنا أمامنا غير أن نخلصَ إلى أنَّ ذلك التَّيه كان معجزةً وآيةً استمرت أربعين سنة، اقتضت تدخلاً مباشراً من لدن اللهِ تعالى بقولِه “كن فيكون”، وذلك لأنَّ تلك المدة من الزمان، التي ظلت تلك المعجزة- الآية على إعجازيتِها، كانت كفيلةً بجعلِ القوم ينصاعون أخيراً لأمرِ الله القاضي بدخولِ الأرض المقدسة التي كتب لهم، وليس، كما ذهب إليه كثير من المفسرين، لأنَّ تلك المدة كانت كافيةً حتى يهلكَ الجيلُ الذي عصى أمرَ اللهِ ويظهرَ جيلٌ آخر يطيع أمرَه. فالأصلُ في المعجزة ألا يدخلَ في حيثياتِ تجلِّيها ما يكون في الإمكانِ تفسيرُه وفقاً لآليةِ السبب- النتيجة.
يتبيَّن لنا، وبتدبر ما تقدَّم، أنَّ أمرَ اللهِ تعالى القاضي بإبقاءِ قومِ موسى عاجزين عن مغادرةِ أرضِ سيناء، ودخولِ الأرض المقدسة، قد تجلَّى تجلياً معجزاً بكلِّ ما تعنيه الكلمة، وذلك من دون أن يخالطَ هذا التجلِّي ما ليس من جنس المعجزة مما يمكن تفسيره بقوانينِ عالَمِ الأسباب.
