
في تاريخ الأمم، ثمة كنوز لا تُقاس بالذهب، وإنما بما تحمله من “روح”. والشيخ سيد النقشبندي لم يكن مجرد منشد، بل كان حالة من السموّ الصوفي الذي لم يتكرر. ومن هنا، يبرز سؤال يدمي القلب ويستفز العقل: كيف يُمكن لنا أن نصمت لأكثر من نصف قرن على فقدان النسخة الوحيدة لفيلم “الطريق الطويل”؟
خمسون عاماً مرت منذ أن غاب هذا الفيلم عن الأنظار. خمسون عاماً لم يُحرك فيها ساكن، ولم يُفتح فيها ملف. نحن نتحدث عن أثر سينمائي وتوثيقي يضم في ثناياه مقاربة فنية وصوتية نادرة لـ “قيثارة السماء”. فإذا كان من المفهوم، وإن لم يكن مقبولاً، أن ظروف السبعينيات في مصر وما شابها من تعقيدات قد حالت دون ظهور الفيلم للنور، فما هي الحجة اليوم؟
لقد تبدلت العصور، وتغيرت الرؤى، ولم يعد هناك من يملك مصلحة في طمس هذا التراث. اليوم يتسابق العالم لترميم اللقطات الباهتة وتلوين الصور القديمة، ونحن لا نزال نقف موقف المتفرج أمام اختفاء “أثر” كامل لرجل يمثل قمة الهرم في الإنشاد الديني. إن الوفاء لسيد النقشبندي ليس بإذاعة “مولاي” في رمضان فحسب، بل بالحفاظ على إرثه من الضياع والنسيان.
إن هذا المقال ليس مجرد رثاء لفيلم مفقود، بل هو صرخة في وجه الجهات المعنية من وزارة الثقافة، وماسبيرو، والمؤسسات التراثية: لماذا لا يتم تشكيل لجنة بحث حقيقية للكشف عن حيثيات اختفاء هذا الفيلم؟ وأين اختفت النسخ الأصلية؟ وهل جردت الأرشيفات الخاصة والعامة بحثاً عن قصاصات منه؟ وكيف يصمت محبو الشيخ وعشاق صوته وهم يرون جزءاً أصيلاً من تاريخه يتبخر في طيات الزمن؟
إن البحث عن فيلم “الطريق الطويل” هو بحث عن هوية بصرية وصوتية كادت أن تندثر. إننا نطالب ببذل جهود حقيقية، دبلوماسية وفنية وتقنية، لاستعادة هذا الكنز أو ما تبقى منه. فالسكوت بعد اليوم لم يعد مقبولاً، والوفاء لسيد النقشبندي يقتضي منا ألا نترك لـ”طريقه” أن يضيع في غياهب الإهمال.
