التَّيه كحالةٍ إدراكية… مِن قومِ موسى إلى الإنسانِ المعاصر

ومن آيات الله الدالة لا على خرق قوانين العالم فحسب، بل على إعادة توجيه الإدراك داخل هذه القوانين، ما وقع لقوم موسى من “التيه”؛ ذلك التيه الذي لا يُفهم بوصفه ضياعًا جغرافيًا في صحراء، بل بوصفه ضياعًا إدراكيًا داخل الوجود نفسه. إن القراءة التقليدية لقول الله تعالى في الآية الكريمة 26 من سورة المائدة: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ تفهم التيه على أنه عقوبة مكانية، وذلك باعتبارٍ مفاده أن هذه الآية الكريمة تتحدث عن قومٍ عجزوا عن الخروج من نطاق جغرافي محدد. غير أن هذا الفهم، رغم بساطته، قد يُخفي البنية الأعمق للحدث. فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا لم يجدوا الطريق؟ بل: كيف يفقد إنسانٌ القدرة على رؤية الطريق وهو يسير عليه؟ هنا يتحول التيه من كونه مشكلة في “المكان” إلى كونه خللًا في “الإدراك”.
فوفقاً للمنظور الميتابايولوجي، الإنسان منذ التحويلة التطورية الأولى لم يعد كائنًا يعيش في العالم مباشرة، بل كائنًا يعيش داخل تمثلاته عن العالم. فهو لا يرى الواقع كما هو، بل كما يُعاد تشكيله داخل جهازه الإدراكي. وعندما تختل هذه التمثلات، لا يضلّ الإنسان لأنه لا يعرف الطريق، بل لأنه لم يعد قادرًا على التعرف عليه. وهذا هو التيه. ليس أن الطريق غير موجود، بل لأن “العين” لم تعد يراه.
إن تحديد مدة التيه بأربعين سنة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه انتظارًا لهلاك جيل وظهور آخر، بل بوصفه زمنًا كافيًا لإعادة تشكيل البنية الإدراكية. فالجيل الذي خرج من مصر كان يحمل تمثلات تتجلى في الخوف من المواجهة والتعلق بالسلطة الخارجية والعجز عن المبادرة. وهذه التمثلات، لا تُمحى بالأمر، بل تحتاج إلى تفكك تدريجي. لذلك لم يكن التيه مجرد عقوبة، بل كان عملية قسرية لإعادة ضبط الإدراك.
وبعكس التصور الشائع للمعجزة بوصفها تتخذ انماطاً من التجلي بإمكان عقولنا أن تحيط بها عداً وإحصاءً، فإن “التيه” يكشف عن تجلٍ آخر للمعجزة مفاده أن الله لم يغير الطريق بطريق آخر، بل غيّر قدرة الإنسان على تبين وإدراك الطريق. وهذا أخطر وأعمق. لأن الإنسان، في هذه الحالة، قد يكون يسير لكنه لا يتقدم، ويرى لكنه لا يُبصر، ويقترب لكنه لا يصل.
وإذا كان قوم موسى قد تاهوا في صحراء محدودة، فإن الإنسان المعاصر يعيش تيهًا من نوع آخر؛ تيه داخل وفرة الطرق. فالضياع لم يعد اليوم بسبب قلة الخيارات، بل بسبب تضخمها. فالإنسان الحديث يمتلك خرائط أكثر من أي وقت مضى ويملك معرفة واسعة للغاية ويستطيع الوصول إلى كل شيء. ومع ذلك، هو أكثر تيهًا من أي زمن مضى. لماذا؟ لأن المشكلة لم تعد في الطريق، بل في الجهاز الذي يختار الطريق. فنحن لا نعيش اليوم نقصًا في المعنى، بل تضخمًا في التمثلات. فكل شيء قابل للتفسير وقابل للنقاش وقابل للتأجيل، فينهار معيار الاختيار. وهنا يظهر “التيه المعاصر”: حين تكون قادرًا على كل شيء، وغير قادر على اتخاذ أي خطوة حقيقية. إن تيه بني إسرائيل كان محدودًا بمكان وزمان. أما التيه المعاصر، فهو غير محدود بمكان أو بزمان ويحدث داخل الوعي نفسه. إنه تيه بلا صحراء.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن التيه، في جوهره، ليس حدثًا تاريخيًا، بل نمطًا وجوديًا يتكرر كلما اختلّت العلاقة بين الإنسان وتمثلاته. فحين تتضخم التمثلات وتنفصل عن الواقع ويعجز الإنسان عن إعادة ضبطها، فإنه يدخل في حالة يرى فيها كل الطرق، لكنه لا يسلك أيًا منها. وهذا هو التيه.

أضف تعليق