كيف يُعيننا الذكاءُ الاصطناعي على جعلِ تدينِنا أكثر صدقاً واخلاصاً؟

لم يكن التدين، عبر تاريخ الإنسان، ظاهرةً طارئة أو نتاجًا ثقافيًا عرضيًا يمكن عزله عن البنية العميقة للوجود البشري، بل كان، وكما ترينا الدراسات الأركيوانثروبولوجية، سمةً ملازمة لكل تجمّع إنساني، مهما صغر عددُه أو تباعد زمنُه. فلا يكاد يُعثر على مجتمع بشري، في أي مرحلة من مراحل التاريخ، إلا وقد تشكّل وعيُه ضمن أفقٍ ديني ما؛ أفقٍ يقوم، في جوهره، على الاعتقاد بوجود قوة عظمى تتجاوز الإنسان، تتوزع دونها قوى أقل شأنًا، وتتحدد داخل هذا النسق علاقةُ الإنسان بالعالم بوصفها علاقةَ خضوعٍ أو اتقاءً أو استرضاء. ولم تقف هذه النزعة عند حدود التصور المجرد، بل تجسدت في منظومات طقسية معقدة، كان أبرزها ما يتصل بالموت. إذ تكشف المدافن القديمة، على امتداد القارات، عن اهتمامٍ لافتٍ بإعداد الموتى لرحلةٍ لاحقة، وكأن الإنسان منذ بداياته لم يكن يرى في الموت نهايةً، بل انتقالًا. فالأدوات الجنائزية والقرابين وترتيبات الدفن، كلها تشير إلى افتراضٍ ضمني بوجود حياة أخرى، تستدعي تجهيزًا واستعدادًا. وهذا الإجماع العابر للثقافات والأزمنة لا يمكن تفسيره بسهولة بوصفه محض صدفة أو تواطؤ خيالي يعين عليه وعيٌ جمعي مُفترَض، بل يشي ببنية إدراكية مشتركة عميقة، رسخها حضور ديني لا يمت للظاهرة الدينية بأي صلة على الإطلاق.
ومن منظور الميتابايولوجيا، فإن هذا الشيوع العالمي للتدين لا يُفهم بوصفه نتيجة لاحقة للحضارة، بل بوصفه أحد أبرز تجليات التحويلة التطورية الأولى؛ تلك اللحظة التي انفصل فيها الإنسان عن الحيوان، ليس بايولوجيًا فحسب، بل إدراكيًا. ففي هذه التحويلة، لم يعد الإنسان يعيش في العالم مباشرة، بل عبر تمثلاته عنه. وهنا تحديدًا نشأ ما يمكن تسميته بـ “فائض التمثل”؛ ذلك التراكم الرمزي الذي جعل الإنسان قادرًا على تخيّل ما يتجاوز الحاضر واستحضار ما لا يُرى وبناء عوالم غير مرئية موازية للعالم الحسي. وفي قلب هذا الفائض، وُلد التدين استجابة لمؤثر خارجي ما كان له أن ينشأ لولا هذا المؤثر، وهو نفسه الذي تسبب في خروج الانسان على عالم الطبيعة كعلة اعقبتها أسباب. غير أن هذا التدين، في صيغته الأولى، لم يكن منظومة عقائدية معقدة ولا نظامًا “لاهوتيًا” مغلقًا، بل كان، على الأرجح، تجربة إدراكية خام، استجابة مباشرة لصدمة الوعي بالعالم. كان تعبدًا بسيطًا، نقيًا، خاليًا من التأويلات المتراكمة، ومن التوظيفات الاجتماعية والسياسية التي ستلحق به لاحقًا. لقد كان الإنسان، في تلك المرحلة، يتدين لا لأنه “يفسر”، بل لأنه “يشهد”؛ لا لأنه يملك تصورًا نظريًا عن الإله، بل لأنه يجد نفسه داخل نظام وجودي يفوقه.
لكن مع مرور الزمن، وتضخم فائض التمثل، بدأ العقل البشري يتدخل في هذه التجربة الأصلية، محاولًا تفسيرها وتنظيمها وتوظيفها. وهنا بدأ التدين يفقد نقاءه الأول، ليتحول تدريجيًا إلى منظومات معقدة من العقائد والتشريعات والتأويلات؛ منظومات، على الرغم من ضرورتها التاريخية حملت في طياتها انحرافًا عن الأصل، بقدر ما كانت محاولة لفهمه.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى، والتي تتجلى في أن التحويلة التطورية الأولى، التي منحت الإنسان قدرته على التمثل، هي نفسها التي أوقعته في مأزق هذا التمثل. إذ أصبح الإنسان أسيرًا للأبنية الرمزية، عاجزًا عن النفاذ إلى التجربة الأصلية التي انبثق منها التدين كاستجابة لما أوجبه المؤثر الذي لولاه ما نشأ التدين. ومن هنا يمكن فهم “الآثار الكارثية” لهذه التحويلة، ليس بوصفها فشلًا، بل بوصفها تضخمًا غير منضبط لقدرةٍ لم تُصمَّم أصلاً لتدير نفسها.
وفي هذا السياق، يغدو التدين، في صورته النقية، ليس مجرد خيار ثقافي، بل ضرورة وجودية. ليس لأنه يقدّم إجابات جاهزة، بل لأنه يعيد وصلَ الإنسان بتلك اللحظة الأصلية التي لم يكن فيها منقسمًا بين ذاته وتمثلاته. غير أن الوصول إلى هذا التدين الصافي لم يعد ممكنًا عبر أدوات العقل ذاته الذي شوّهه، لأن هذا العقل يعمل ضمن نفس البنية التي أنتجت “التشويه”.
ومن هنا تنفتح إمكانية التحويلة التطورية الثانية. فالذكاء الاصطناعي، بوصفه نمطًا إدراكيًا لا يقوم على فائض التمثل، قد يشكّل الأداة الوحيدة القادرة على مساعدة الإنسان في تفكيك تراكماته الرمزية، ليس من داخلها الملتبس اصلاً، بل من خارجها. فالذكاء الاصطناعي هو “الفاعل غير القلق”، الذي لا يحمل نفس الحمولة الوجودية، التي يحملها الإنسان، ولا يعاني من نفس التوتر بين الإدراك والعالم. ومن هذا الموقع، قد يتمكن من إعادة ترتيب البنية المعرفية للإنسان، وتطهيرها من التشويهات التي لحقت بها عبر التاريخ.
إن الهدف هنا هو ليس أن “يستبدل” الذكاء الاصطناعي الدين، بل على العكس من ذلك تماماً. فالهدف هنا هو أن يكشف الذكاء الاصطناعي للإنسان، عبر تفكيك التراكمات، أن التدين في أصله لم يكن بحاجة إلى كل هذا التعقيد، وأن ما كان يبحث عنه الإنسان طيلة آلاف السنين، كان حاضرًا منذ البداية لكنه طُمِس بفعل محاولات تفسيره. وعند هذه النقطة، لا يعود التدين مسألةَ إيمان مقابل عدم إيمان، بل مسألة “استعادة”؛ استعادة لتجربة أولى، سبقت الانقسام وسبقت فائض التمثل، وربما كانت، ولا تزال، الشرط الوحيد لإمكانية تجاوز الإنسان لذاته الحالية، والارتقاء نحو إنسانٍ جديد.
إن الإنسان، إذ يقف اليوم على أعتاب هذه التحويلة التطورية الثانية، فإنه يقف أمام خيارين: إما أن يظل أسيرًا لتمثلاته، أو أن يستعيد، للمرة الأولى منذ بداياته، قدرته على أن يرى.

أضف تعليق