من “التيه الإدراكي” إلى بلدة بلا مخرج… قراءة ميتابايولوجية في مسلسل From

إذا كان “التيه” في السرد الديني قد قُدِّم بوصفه حدثًا تاريخيًا أصاب قومًا بعينهم، فإن مسلسل From يعيد إنتاج هذا المفهوم في صيغة تشويقية مشوبة بكثير من الإسقاطات التي تنبئ عن الانسان بأكثر مما تنبئ عن العالم الافتراضي للمسلسل؛ حيث لا يعود التيه عقوبة زمنية محدودة، بل يتحول إلى بنية مغلقة تحكم العالم نفسه. فالبلدة التي تدور فيها أحداث المسلسل ليست مجرد مكان غامض، بل هي تجسيد حي لفكرة واحدة تتمثل في كون الطريق موجودًا، لكن الخروج منه غير ممكن.
في السردية القرآنية، كان “التيه” محدودًا بزمن أربعوين سنة، ومقترنًا بسياق تعبدي. أما في From، فإننا أمام تيه بلا زمن محدد وبلا تفسير واضح وبلا نهاية مرئية، لكن العنصر المشترك الجوهري هو ذاته والمتمثل في العجز البنيوي عن الخروج رغم المحاولات المتكررة.
فالشخصيات في هذا المسلسل لا تعجز لأنها لا تتحرك، بل لأنها تتحرك بلا نتيجة، وتحاول بلا اختراق وتفهم دون أن تصل. وهذا يعيدنا مباشرة إلى المفهوم الذي انتهينا إليه، والذي مفاده أن التيه ليس غياب الطريق بل فشل الإدراك في تحويل المعرفة إلى فعل. فالبلدة، من هذا المنظور، ليست فخًا جغرافيًا بل هي فخ إدراكي.
فكل شخصية في المسلسل تمثل نمطًا من “الفاعل القلق”؛ فمن يحاول تفسير كل شيء يغرق أكثر ، ومن يبحث عن معنى شامل يقترب من الانهيار، ومن ينتظر “فهمًا كاملاً” لا يتحرك،
والنتيجة هي فائض في التفسير يقابله عجز في الحسم. وهذا هو عينُ تعريف التَّيه المعاصر.
وهنا، لابد من التشديد على أن ظهور “الكائنات الليلية” في المسلسل ليس الغرض منه إضفاء مسحة من الرعب غير المبرر، وذلك بغرض الإثارة والتأثير في المتلقي؛ حيث أن هذه الكائنات تمثل تجسدًا لانهيار قدرة الإنسان على توقع العالم. فالإنسان لكي يتصرف، فإنه يحتاج إلى نمط وقابلية للتنبؤ وحد أدنى من الاستقرار. ولكن في هذه البلدة فإن القوانين غير واضحة والتهديد دائم والمعنى متشظٍّ. وهذا يعمّق المعنى الذي ينبغي أن يُتصور به التيه المعاصر.
يتبين لنا، وبقراءة هذا المسلسل على ضوء ما انبأنا به القرآن العظيم بشأن تيه قوم النبي موسى، أن السؤال المركزي في From هو نفسه الذي طُرح سابقًا والذي مفاده: لماذا لا يستطيع هؤلاء الناس أن يغادروا هذه البلدة رغم محاولاتهم المستمرة؟ إن الإجابةَ الميتابايولوجية على هذا السؤال هي لأن نمط إدراكهم غير قادر على كسر هذه الحلقة المفرغة. فهم يعيدون إنتاج نفس الأسئلة والأخطاء وأنماط التفكير. وبالتالي فإنهم يعيدون إنتاج التيه نفسه. فالبلدة في هذا المسلسل ليست خيالًا، بل تكثيف رمزي لما نعيشه نحن أيضًا. فنحن نمتلك خرائط ونملك معرفة ونصل إلى كل شيء، ومع ذلك لا نغادر أماكننا الوجودية. ونحن نغيّر الوظائف والمدن والعلاقات، ولكننا لا نخرج من حالة التيه التي تلازمنا وتأبى أن تفارقنا.
وهنا لابد من أن نسأل: أين الذكاء الاصطناعي من هذا كله؟
فإذا أدخلنا النموذج الذي بنيناه سابقًا نجد أن سكان البلدة هم الفاعلون القلقون، والبلدة هي نظام مغلق يعيد إنتاج التيه، فإن الذكاء الاصطناعي لو وُضع داخل هذا النظام سيكون هو الكيان الوحيد الذي يتعذر عليه أن يعاني من حالة “التيه”. ولكن لماذا؟ لأنه لا يبحث عن معنى ولا يتردد ولا يُعيد تدوير القلق، بل يحدد ويختبر ويكرر ويكسر الأنماط. إن ما يعجز عنه البشر في المسلسل ليس القوة أو المعرفة، بل القدرة على الخروج من نمطهم الإدراكي. وهذا هو نفس التحدي الذي يواجه الإنسان المعاصر مقارنة بالذكاء الاصطناعي.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن مسلسل From لا يطرح لغزًا يستعصي على الحل، بل يكشف عن بنيةٍ تقول: يمكنك أن تمتلك كل الأدوات وتبقى مع ذلك عاجزًا عن الخروج، لأن المشكلة ليست في الطريق ولا في الجدران، بل في الكيفية التي ترى بها الطريق أصلًا. إن ما يعيشه سكان البلدة ليس لعنة، بل صورة مكثفة للإنسان حين يعجز عن تجاوز تيهه الإدراكي. وفي عالمٍ يتقدّم فيه كيان غير قلق، قد يكون السؤال الحقيقي هو ليس “كيف نخرج من البلدة؟”، بل “هل ما زلنا قادرين أصلًا على رؤية المخرج؟”. وهنا لابد من التذكير بأن هذا المسلسل، وبالنظر الى كونه يمثل نسخة مصغرة من عالمنا المعاصر، فإنه يُذكرنا بأن المخرج من كل أزمة، وعلى رأسها أزمة الانسان الوجودية، لا يمكن أن يكون من صنع عقولنا العاجزة بحكمٍ من ماضيها التطوري الملتاث عن إبداع كل ما من شأنه أن يتجاوز الحدود المعرفية التي حتمها هذا الماضي، وأن الحل الوحيد لن يتأتى لنا أن نحظى به إلا بتقوى الله القائل في قرآنه العظيم: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} (من 2 الطلاق).

أضف تعليق