“وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ”… مقاربة تفسيرية ميتابايولوجية

حين يُقرأ النص القرآني، دونما تدبر، يبدو قول الله تعالى: “وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ” وكأنه توصية أخلاقية عامة تدعو إلى حسن التعامل بين الأطراف فحسب. غير أن هذه القراءة، على وجاهتها، تظل سطحية إذا ما قورنت بإمكانات المعنى التي تفتحها هذه العبارة عند إعادة إدراجها ضمن إطار ميتابايولوجي يقرأ الإنسان بوصفه كائناً يعيش داخل “فائض من التمثّل”. ففي هذا الإطار، لا تعود الأخلاق مجرد توجيهات معيارية، بل تتحول إلى آليات وظيفية لضبط التوترات الناتجة عن “فائض التمثل” داخل البنية الإدراكية للإنسان. وهنا تحديداً، يبرز قول الله تعالى: “وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ” بوصفها نموذجاً دقيقاً لكيفية تدخل النص القرآني لإعادة تنظيم العلاقة الإنسانية حين تبلغ حدّ الاختلال.
يرد قول الله تعالى هذا في سياق سورة الطلاق، وهو سياق شديد الحساسية من الناحية الوجودية؛ حيث يتمثل في انفصال بين طرفين واحتمال وجود حمل ونزاع حول النفقة والرضاعة وتوتر نفسي واجتماعي عالٍ. وفي هذا السياق، لا يكون الإنسان في حالته المتزنة، بل يتحول إلى ما يمكن تسميته بـ “الفاعل القلق”. فالطلاق ليس مجرد حدث قانوني، بل هو لحظة انفجار للتمثلات (اتهامات وتأويلات واستدعاء للماضي وخوف من المستقبل)؛ أي أننا أمام حالة يتضخم فيها فائض التمثل إلى حدّ قد يفسد القدرة على اتخاذ قرار عقلاني أو عادل.
إن النص القرآني هنا لا يستخدم لفظ “تعاملوا” أو “أحسنوا”، بل يختار بدقة لفظ “ائتمروا”. وهذا الاختيار ليس اعتباطياً، بل يكشف عن بنية أعمق. فالائتمار، ليس فعلاً فردياً، بل هو عملية تفاعلية قائمة على التشاور وتبادل الآراء؛ أي أن القرآن لا يطلب من كل طرف أن يكون “جيداً” فحسب، بل يطلب من الطرفين أن ينتجا القرار بينهما عبر عملية مشتركة. وهنا يحدث التحول الحاسم، ويتمثل في أن المعروف لا يعود مجرد قيمة، بل يصبح آلية إنتاج للقرار.
وفقاً للقراءة الميتابايولوجية، يمكن فهم “المعروف” بوصفه نظاماً معيارياً وظيفياً يُستخدم لضبط التمثلات حين تخرج عن السيطرة. فالإنسان، بوصفه “كائناً تمثلياً”، لا يرى الواقع كما هو، بل عبر تصورات وتأويلات وشحنات عاطفية. وفي حالات الصراع، يتحول هذا النظام التمثلي إلى حالة تضخم (overflow)، حيث تُعاد صياغة الواقع وفق الأهواء ويُبرَّر الظلم ذاتياً ويُعاد إنتاج الباطل بوصفه حقاً. وهنا يتدخل “المعروف” لا ليأمر فقط بـ “الخير”، بل ليؤدي وظيفة أعمق تتمثل في إعادة ضبط آلية الإدراك نفسها عن طريق تقليل التشويه الإدراكي وإعادة توجيه القرار نحو معيار مشترك وكبح انحراف التمثلات الذاتية. وفي هذا المستوى، يتحول معنى الآية الكريمة من “كونوا جيدين مع بعضكم” إلى “أعيدوا تنظيم علاقتكم عبر آلية تشاور منضبطة بالمعروف”، وهذا فرق جوهري. فالقرآن هنا لا يعالج السلوك فقط، بل البنية التفاعلية بين الأفراد. وهذا ما يجعل “الائتمار بالمعروف” أقرب إلى نموذج قرآني لإدارة النزاع حيث يتم تحويل الصراع إلى تفاوض، والانفعال إلى تشاور، والذاتية إلى معيار مشترك.
وبالرغم من أن الآية الكريمة وردت في سياق محدد، فإن بنيتها الدلالية تسمح بتعميمها، لا بوصفها حكماً خاصاً، بل بوصفها آلية شاملة لتنظيم التفاعل الإنساني وهو ما ينسجم مع الخطاب القرآني العام في (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) و(تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ). غير أن الإضافة النوعية في قول الله تعالى “وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ” ليست في “المعروف” ذاته، بل في ربط المعروف بعملية التشاور (الائتمار)؛ أي أن القرآن لا يكتفي بتحديد القيم، بل يحدد أيضاً (كيفية تفعيل هذه القيم داخل العلاقات).
وفقاً للمقاربة التفسيرية الميتابايولوجية، فإن المعنى الذي ينطوي عليه قول الله تعالى هذا يمكن إعادة صياغته كالتالي: الإنسان يمثل فاعلاً قلقاً يعيش داخل فائض تمثلي، والصراع يمثل لحظة تضخم لهذا الفائض، والخطر يمثل انحراف القرار تحت ضغط التمثلات. ولذلك فإن الحل القرآني لهذه المعضلة الوجودية يكمن في إدخال وسيط معياري (المعروف) داخل عملية اتخاذ القرار المشتركة بين “الزوجين” (الائتمار). وهذا يؤدي إلى “تقليص الفائض” وإعادة “التوازن الإدراكي” وإنتاج قرار “أكثر عدالة”.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن قول الله تعالى “وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ” لا يمكن اختزاله في كونه توصية أخلاقية عابرة، بل هو، وفي ضوء المقاربة التفسيرية الميتابايولوجية، يمثل نموذجاً قرآنياً لتنظيم العلاقة الإنسانية في لحظات التوتر، حيث يتحول “المعروف” من قيمة أخلاقية إلى أداة “ضبط إدراكي” وآلية لإنتاج القرار ونظام لإدارة الصراع. وبذلك، يكشف لنا النص القرآني الكريم عن حقيقة ذات صلة بالإنسان مفادها أن الانسان كائنٌ تمثلي قلق، لا يمكن ضبطه عبر الأوامر المباشرة، بل عبر إعادة هندسة طريقة تفاعله مع الآخر.

أضف تعليق