نحو مقاربة ثلاثية الأبعاد لتاريخ العراق (العزاوي – باقر – سوسة)… من التوثيق إلى التأويل إلى النمذجة

لم يكن تاريخ العراق، عبر مراحله المختلفة، مجرد سردٍ للأحداث أو تراكمٍ للوقائع، بل كان دائماً ساحةً لتقاطع مناهج متعددة، تتنازع تفسيره وتتنافس على احتكار معناه. وفي هذا السياق، تبرز ثلاثة أسماء عراقية شكّلت، كلٌّ بطريقته، مدخلاً مميزاً لفهم هذا التاريخ: عباس العزاوي، طه باقر، وأحمد سوسة. غير أن قراءة أعمال هؤلاء الثلاثة ضمن مسارات منفصلة تُفوّت فرصة إدراك ما يمكن أن يُنتج عن تفاعل مناهجهم من نموذج تفسيري أكثر شمولاً وعمقاً.
إن ما تقترحه هذه المقالة ليس مجرد مقارنة بين مؤرخين، بل تصورٌ تكاملي يُعيد توزيع أدوارهم ضمن “مشروع معرفي افتراضي”، يقوم على اعتبار كلٍّ منهم بُعداً منهجياً لا يُستغنى عنه في بناء فهم ثلاثي الأبعاد لتاريخ العراق: البعد التوثيقي، والبعد التأويلي-الأنثروبولوجي، والبعد البنيوي-الهندسي.
فعباس العزاوي يمثل نموذج المؤرخ الذي ينطلق من هاجس “الحفظ قبل الفهم”. فمشروعه، كما يتجلى في موسوعته عن تاريخ العراق بين احتلالين، يقوم على جمع المادة التاريخية بأقصى درجات الشمول، من الوثائق الرسمية إلى الروايات الشفوية، ومن الأنساب إلى التحولات السياسية. وفي الإطار التكاملي، لا يُنظر إلى هذا الجهد بوصفه عملاً وصفياً فحسب، بل بوصفه تأسيساً لـ”بنية الذاكرة الخام” التي لا يمكن لأي تأويل أن يقوم بدونها. فالعزاوي لا يفسر بقدر ما يضمن أن ما سيُفسَّر لاحقاً لم يُفقد أو يُحرّف، وهو، بهذا المعنى، يشكّل “طبقة البيانات” (Data Layer) في المشروع؛ حيث يُعاد الاعتبار للتاريخ بوصفه أرشيفاً مفتوحاً، لا سردية مغلقة. فإذا كان العزاوي قد اشتغل على “ماذا حدث”، فإن طه باقر ينقلنا إلى سؤال “ماذا يعني ما حدث”. بوصفه عالِمَ آثار ومترجماً لنصوص حضارية عميقة (كملحمة جلجامش)، فلم يكن باقر معنياً بجمع الوقائع بقدر ما كان معنياً بإعادة إدراجها ضمن سياق حضاري طويل يمتد إلى ما قبل التاريخ المدون. وفي هذا المستوى، يتحول التاريخ من سجلّ للأحداث إلى “نظام دلالي”، حيث تُقرأ الأساطير، والنصوص المسمارية، والرموز بوصفها تعبيرات عن بنية ذهنية-حضارية مستمرة. وضمن المشروع التكاملي، يمثّل باقر “طبقة التأويل” (Interpretive Layer)، حيث لا تكتسب البيانات التي جمعها العزاوي معناها إلا بإدراجها ضمن أنساق رمزية وثقافية أوسع. إنه يعيد وصل العراق الحديث بجذوره العميقة، لا بوصفها ماضياً منقطعاً، بل بوصفها استمرارية متحولة. ثم يأتي أحمد سوسة ليضيف بعداً مختلفاً تماماً والمتمثل بـ “البعد البنيوي-الهندسي”. فبصفته مهندساً وباحثاً في الريّ والموارد المائية، لم يتعامل مع التاريخ بوصفه سرداً أو رمزاً، بل بوصفه نظاماً مادياً يمكن تحليله من خلال شبكات المياه، وأنماط الاستقرار، والبنى التحتية. وفي هذا المنظور، لا يعود التاريخ مجرد ما كتبه البشر أو تخيلوه، بل ما بنوه فعلياً (القنوات، المدن، أنظمة الري). وهنا يظهر العراق بوصفه “كائناً هيدرولوجياً” بقدر ما هو “كيان سياسي أو ثقافي”. ففي المشروع التكاملي، يمثل سوسة “طبقة النمذجة” (Modeling Layer)، حيث يمكن تحويل المعطيات التاريخية والتأويلات الثقافية إلى أنماط قابلة للفهم العلمي، بل وحتى للتنبؤ؛ حيث أنه يفتح الباب أمام قراءة مستقبلية للتاريخ، لا بوصفه ماضياً منتهياً، بل كنظام مستمر يمكن استشراف مساراته.
والآن، إذا ما أُعيد توزيع هذه المناهج ضمن مشروع واحد، فإننا نكون أمام نموذج ثلاثي الأبعاد لفهم العراق. فالعزاوي ضمن سلامة “المادة التاريخية” (الذاكرة)، وباقر يمنحها “المعنى الحضاري” (الدلالة)، وسوسة يكشف عن “قوانينها المادية” (البنية). إن هذا التكامل لا يجمع بين المناهج فحسب، بل يُحوّل التاريخ من مجالٍ للتنازع السردي إلى مجالٍ للتحليل المركّب. فبدلاً من أن يُسأل: “أيهم أدق؟”، يصبح السؤال: “كيف يعمل كلٌّ منهم ضمن منظومة معرفية أوسع؟”.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن القيمة الحقيقية لهذا النموذج تكمن في أنه لا يكتفي بإعادة قراءة الماضي، بل يفتح أفقاً لاستشراف المستقبل. فحين تُدمج البيانات الدقيقة (العزاوي) مع التأويل الحضاري (باقر) والنمذجة البنيوية (سوسة)، يصبح بالإمكان فهم أسباب الانقطاعات التاريخية في العراق بوصفها اختلالات في أحد هذه الأبعاد، وتحليل دور الموارد (خصوصاً المياه والنفط) في تشكيل الصراعات والتحولات، وإعادة قراءة الهوية العراقية بوصفها تراكباً بين الذاكرة والأسطورة والبنية المادية، واستشراف مسارات مستقبلية بناءً على أنماط تاريخية متكررة. فأكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو اختزال تاريخ العراق في بعد واحد (سياسي أو ثقافي أو مادي). فالعراق، بحكم تعقيده، لا يُقرأ إلا من خلال تراكب هذه الأبعاد.
وفي هذا السياق، لا يعود عباس العزاوي، وطه باقر، وأحمد سوسة مجرد مؤرخين، بل يتحولون إلى “نماذج منهجية” يمكن، إذا ما أُعيد تركيبها، أن تؤسس لـ “علم تاريخ جديد”؛ علمٍ لا يكتفي بوصف “ما كان”، بل يسعى لفهم “كيف كان”، و”لماذا كان”، وإلى “أين يمكن أن يكون”. وهنا تحديداً، يبدأ التاريخ في التحول من ذاكرةٍ للماضي إلى أداةٍ لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.

أضف تعليق