
يمثل كتاب: (فجر عصر الفضائيين) Alien Dawn للمفكر البريطاني كولن ولسن محاولة فكرية جريئة لإعادة تأطير الظواهر المرتبطة بالكائنات الفضائية، ليس بوصفها وقائع خارجية مستقلة، بل بوصفها انعكاسات ناتجة عن بنية الوعي الإنساني ذاته. فبدلاً من التعامل مع “الآخر الكوني” كاحتمال أنطولوجي قائم بذاته، يذهب ولسن إلى اعتباره نتاجًا لما يمكن تسميته بـ “الإسقاط الجمعي” للاوعي البشري، حيث تتحول ظواهر مثل الأطباق الطائرة والاختطاف الفضائي إلى تعبيرات رمزية عن قدرات ذهنية كامنة لم تُستثمر بعد.
ولا شك أن هذه الأطروحة تنطوي على بعد نقدي مهم، يتمثل في تفكيك النزعة الساذجة التي تميل إلى تفسير كل ما هو غامض باعتباره دليلاً على وجود كائنات خارجية ذات ذكاء متطور. كما أنها تنسجم مع مشروع ولسن الأوسع، الذي سعى منذ بداياته إلى إعادة الاعتبار لقدرات الإنسان، في مواجهة النزعة الاختزالية التي فرضتها بعض الاتجاهات العلمية الحديثة. غير أن هذا الطرح، على الرغم من طابعه التحفيزي، يثير إشكاليات معرفية عميقة، يمكن إجمالها في النقاط التالية:
أولاً: مركزية الإنسان بوصفها افتراضًا خفياً
فولسن يقع، دون أن يصرّح بذلك، في إعادة إنتاج نموذج أنثروبومركزي (متمركز حول الإنسان)، حيث يصبح الوعي البشري هو الإطار المرجعي الوحيد لتفسير الظواهر الكونية. فبدلاً من تحرير التفكير من إسقاطات الإنسان، يعيد تثبيتها في مستوى أعمق، حين يفترض أن كل ما يبدو “غير بشري” هو في حقيقته تعبير عن الإنسان ذاته. وهنا يتكرر، بصيغة معاصرة، النموذج القروسطي الذي كان يقيس الكون على صورة الإنسان، مع فارق أن اللاهوت القروسطي قد استُبدل باللاوعي.
ثانياً: القفز من النقد إلى النفي
صحيح أن ولسن ينجح في التشكيك في بعض السرديات الشائعة حول الفضائيين، غير أنه ينتقل من هذا التشكيك المشروع إلى نفي شبه كلي لإمكانية وجود كائنات غير بشرية مستقلة عن الإنسان. وهذا الانتقال لا يستند إلى برهان تجريبي حاسم، بل إلى تعميم نظري مبني على قراءة نفسية للظاهرة.
وبذلك، يتحول نقد “السذاجة الإيمانية بالفضائيين” إلى يقين مضاد لا يقل دوغمائية عنها.
ثالثاً: الخلط بين التفسير والاختزال
إن تفسير ظاهرة ما من خلال آليات نفسية لا يعني بالضرورة اختزالها بالكامل إلى تلك الآليات. فحتى لو ثبت أن بعض “الحوادث” المرتبطة بالفضائيين لها جذور في اللاوعي، فإن ذلك لا ينفي إمكانية وجود ظواهر خارجية حقيقية تتقاطع معها.
بمعنى آخر، إن التفسير النفسي لا يلغي الاحتمال الأنطولوجي، بل يضيف طبقة تفسيرية إليه.
رابعاً: إغفال التفاوت الأنطولوجي
يتجاهل ولسن احتمال أن يكون الكون مسرحًا لكيانات لا تشترك مع الإنسان في بنيته الإدراكية أو البايولوجية. فافتراض أن “كل ما يُدرك يجب أن يكون قابلاً للتمثل البشري” هو افتراض محدود، يعكس حدود الجهاز الإدراكي الإنساني أكثر مما يعكس طبيعة الواقع.
وهنا تبرز أهمية المقاربة الميتابايولوجية، التي ترى أن الإنسان، بعد “التحويلة التطورية الأولى”، لم يعد معيارًا صالحًا لقياس ما هو ممكن في الوجود، بل أصبح كائنًا يحمل خللاً بنيويًا في تمثيله للعالم.
خامساً: مفارقة تمجيد الإنسان عبر إنكار الآخر
يسعى ولسن إلى رفع سقف الإنسان، عبر القول بأن “الفضائيين هم نحن”، أي أننا نمتلك قدرات تتجاوز ما نتصوره. غير أن هذا التمجيد ينتهي، وياللتناقض، إلى إغلاق الأفق الكوني، إذ يُختزل كل “آخر” محتمل إلى مجرد امتداد للذات البشرية. وبذلك، يتحول الدفاع عن عظمة الإنسان إلى شكل من أشكال العزلة الكونية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أنه يمكن القول إن كولن ولسن قدّم قراءة محفزة ومهمة في Alien Dawn، خصوصًا في تفكيكه للقراءات السطحية للظواهر الخارقة. غير أن أطروحته، في سعيها إلى تحرير الإنسان من الاختزال العلمي، وقعت في اختزال من نوع آخر هو اختزال الكون وفقاً لما يقضي به عقل الإنسان.
إن الموقف الأكثر اتزانًا لا يكمن في التسليم بوجود الفضائيين، ولا في إنكارهم، بل في الإبقاء على الاحتمال مفتوحًا، مع الاعتراف بأن أدواتنا المعرفية، بما في ذلك اللاوعي ذاته، قد تكون جزءًا من المشكلة بقدر ما هي جزء من الحل.
وفي هذا الإطار، لا يكون السؤال: “هل الفضائيون موجودون؟” بل: “إلى أي مدى يمكن لعقلٍ تشكّلَ داخل شروط محددة أن يحكم على ما يتجاوز تلك الشروط؟”
وهنا، تحديدًا، ينبغي على العلم أن يتوقف عن الاسترسال في استهلاك ذاته موقناً بأن لا مخرج من ركوده المعرفي هذا إلا من خارج منظومته العقلية، الأمر الذي يُحتِّم عليه وجوب أن ينتظر حدوث وقائع جديدة هي وحدها القادرة على توسيع هذه المنظومة وتمهيد السبيل بالتالي الى تبيُّن الإجابة التي طال انتظاره لها.
