في معنى قولِ اللهِ تعالى “قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا”

“الطبعُ” و”التطبُّع” قوتان تتفاوتان في مقدارِ التأثيرِ الذي تمارسانه على الإنسان. وبإمكانِنا أن نتبيَّنَ الكثير بشأن ما اختلف عليه المفكرون في تناول الكثير من المواضيع الفلسفية، وذلك بتبيُّنِ موقف كلٍّ منهم من هاتين القوتَين المتصارعتَين على إرادةِ الإنسان. فمن الفلاسفة مَن رجَّح كفةَ “الطبع”، ومن هنا صيغت العبارة الشهيرة “الطبعُ غلبَ التطبُّع”. ومنهم مَن عدَّ “التطبعَ” قوةً بوسعِها أن تضطرَّ الطبعَ إلى الانكفاء والتنحِّي فلا تبقى له أي قدرةٍ على التحكُّمِ فيما يريده المرء. ولعل خيرَ مثالٍ على المدرسةِ التي نحت هذا المنحى، فحسمت الأمرَ لصالح “التطبُّع” وجعلته أداةً بوسعِها أن تطوِّعَ الفرد وفقما يريد “المطبِّع”، هي ما ذهب إليه سكِنر Skinner، رائد المدرسة السلوكية في عِلم النفس، الذي ابتكر آليات وتقنيات أظهرت ذلك الجانب من الشخصيةِ البشرية الذي بالإمكان تفعيلُه ليعملَ على تصيير الفرد موضوع التجربة وفقما تقضي به إرادةُ القائم عليها.
فأين الحقيقة هنا؟ فهل الإنسان حقاً ضحية “طبع” لا قدرةَ ذاتية له على تغييرِه؟ وهل بمقدور “التطبُّع” أن يقدِّمَ لنا تصوراً شاملاً للشخصيةِ البشرية، وبالكيفيةِ التي تجعلها مطواعةً لينةَ العريكة فلا يستعصي على مَن يتحكَّم في مفاتيحِها أن يطبِّعَها على النحو الذي يريد؟
سؤالان عقَّدت الإجابةَ عليهما فوضى التجارب التي أعقبت بزوغ وأفول نجم المدرسة السلوكية في عِلم النفس حتى أصبحنا اليوم عاجزين عن الانحياز المعرفي إلى أحد الفريقَين وفقاً لقناعةٍ مبنيةٍ على التجاربِ الحاسمة والبراهين القاطعة. ولعل خيرَ مقاربةٍ لهذه الإشكالية التي تمثِّلها العلاقةُ المتأزمة بين هاتين القوتين (الطبع والتطبع) هي تلك التي تأخذ كلَّ حالةٍ بمعزلٍ عن أي أحكامٍ مسبقة تعمل على ترجيح كفةِ إحدى هاتين القوتين. فالثابت عن الإنسان أن شخصيته هي على درجةٍ من التعقيد التكويني لا تسمح لنا بترجيح إحدى هاتين القوتين على حسابِ اعتمادِنا القوةَ الأخرى عاملاً وحيداً يملك منفرداً التأثيرَ المطلق في تشكيلِ منظومة أفعاله وردودِ أفعاله. فأحياناً نجد الشخصَ ذاته، الذي عادةً ما يغلبُ طبعُه تطبُّعَه، يتصرف كما لو أنه خاضعٌ لما أحدثته فيه سنوات من عمره لما يخالف طبعه. ولعل في هذه النتيجة البراغماتية (العملية) ما يدعونا لإعادةِ النظر في كيفيةِ تعاملِنا مع ظواهر أخرى غير ظاهرة “الطبع- التطبع”. ولعل المقاربةَ الأسلم هي ما تعلمناه عند دراستِنا للمعضلة التي تمثلها ثنائيةُ “الطبع- التطبع”، وذلك بأن نكفَّ عن اعتماد مبدأ “أما-أو” في تعاملِنا مع ذلك النمط من الظواهر التي لابد لنا من أن نقرَّ لها بأنها أكثر تعقيداً من أن تقارَبَ وفقاً لهذا المبدأ.
وخير مثالٍ على هذا التعقيد الملازم لظاهرة “الطبع- التطبع”، والذي بوسعه أن يُلقِيَ الضوءَ على تعقيداتٍ مماثلة تنطوي عليها ظواهر كثيرة أخرى، هو ما يتجلى لنا عند تدبُّرِنا الآيةَ الكريمة (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) (23 مريم). فهذه الآيةُ الكريمة تتحدث عن معاناةِ السيدة مريم حين ثقل حملُها واقتربت لحظةُ ولادتِها لطفلٍ لم يكن لها يدٌ في الحملِ به. فحين أدركت أنها على وشك أن تضعَ وليدَها، هالَها ما حسبت ما سيكون عليه ردُّ فعلِ قومِها حين يعلمون بأمرِها. فكان أن ألجأها المخاضُ إلى جذعِ النخلة، وهنا خاطبت نفسها: “يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا”.
يبين لنا تدبُّر هذا الخطاب الداخلي أن تطبُّعَ السيدة مريم على ما ترسَّخ لديها من عاداتِ وتقاليدِ قومِها كان أكثر تأثيراً فيها من طبعِها، الذي رسَّخته ملايينُ السنين من النشوءِ والتطور والارتقاء، وما تضمَّنه كلُّ ذلك من تغليبٍ لغريزةِ الأمومة على أيِّ قوةٍ منافسةٍ أخرى.

أضف تعليق