
لا يُعاد إدراج “آدم” في هذه المقالة بوصفه شخصية دينية، أو حدثًا تاريخيًا قابلاً للإثبات أو النفي، بل بوصفه بنية تفسيرية نشأت داخل الوعي الإنساني لتكثيف حدث تحولي لا يزال العلم عاجزًا عن استيعابه ضمن نماذجه الحالية. ومن هذا المنطلق، فإن أي إعلان عن “موت آدم”، كما جاء في بعض الأطروحات الحديثة، لا يمكن قراءته بوصفه تقدّمًا معرفيًا بقدر ما هو تسرّع في إغلاق فجوة تفسيرية لم تُسدّ بعد.
يمثّل كتاب The Death of Adam محاولة رصينة لإعادة بناء السياق الفكري الذي مهّد للانتقال من التفسير اللاهوتي الأوروبي القروسطي إلى التفسير العلمي لأصل الإنسان. وقد نجح المؤلف في تقديم عرض واسع ودقيق للتيارات التي تشكّلت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، خصوصًا تلك التي واكبت صعود الفكر الدارويني وتداعياته. غير أن هذا الجهد، على قيمته التوثيقية العالية، ينتهي إلى قفزة استنتاجية غير مبرّرة تتمثل في الإعلان عن “موت آدم”. وهنا تحديدًا، يتحول العرض التاريخي إلى حكم نهائي يفترض أن المسألة قد حُسمت لصالح نموذج تفسيري واحد، متجاهلًا أن هذا النموذج نفسه لا يزال يواجه اختناقات تفسيرية عميقة.
ضمن الإطار الميتابايولوجي، لا يُفهم الإنسان بوصفه امتدادًا سلسًا لسلسلة تطورية، بل بوصفه كائنًا خرج على اقتصاد الطبيعة. وهذا الخروج لا يُستدل عليه من خلال الاستبطان الفلسفي فقط، بل من خلال أنماط سلوكية ووظيفية متكررة، يمكن تلخيصها في ما يلي:
• انفراط العدوان، حيث تحول الإنسان من أداة بقاء إلى فائض تدميري غير مبرر تطوريًا.
• انفلات الفعالية الجنسية، تجاوز هذه الفعالية لوظيفتها التناسلية إلى فضاء رمزي وتمثّلي مفتوح.
• تدنّي المناعة الفيزيولوجية والنفسية مقارنة بكائنات أقل تعقيدًا.
• تشظّي الإرادة ويتمثل في عجز الإنسان عن الحفاظ على اتساق سلوكي رغم إدراكه المعرفي.
هذه الظواهر لا تمثل “استثناءات”، بل تكشف عن خلل بنيوي لا يمكن اختزاله ضمن آليات الانتخاب الطبيعي أو التكيف البيئي. وهنا يتدخل الإطار الميتابايولوجي، بوصفه محاولة لتفسير هذا الخلل، من خلال فرضية مركزية مفادها أن الإنسان قد مرّ بـ”تحويلة تطورية أولى” نقلته من كائن محكوم باقتصاد الطبيعة إلى كائن يعيش داخل فائض من التمثّل. وبسبب من هذا التحول لم يعد السلوك استجابة مباشرة للحاجة، بل أصبح يتمثل عبر صور ذهنية ورموز، وتأويلات، مما أدى إلى نشوء فجوة بين الإدراك والفعل؛ وهذه الفجوة هي ما يُنتج كل أشكال التناشز التي يعجز النموذج البايولوجي التقليدي عن تفسيرها.
وضمن هذا الإطار، تُقرأ سردية “الأكل من الشجرة” لا بوصفها مخالفة أخلاقية أو اختبارًا دينيًا فحسب، بل بوصفها تمثلًا رمزيًا لحدث أنطولوجي يجسد لحظة انتقال الإنسان من الاندماج المباشر مع الطبيعة إلى الوعي المنفصل عنها.
إن “السوءات” التي كُشفت ليست مجرد عري جسدي فحسب، بل تمثل انكشاف الذات على ذاتها وبداية الانقسام الداخلي وظهور الوعي بوصفه عبئًا لا مجرد أداة. وهنا تحديدًا، يبدأ الإنسان بوصفه كائنًا مختلّ البنية.
إن إعلان “موت آدم” يفترض ضمنيًا أن النموذج العلمي الحالي قادر على تفسير الإنسان بالكامل وأنه لم يعد هناك حاجة لبنية تفسيرية بديلة. غير أن الواقع يشير إلى العكس من ذلك تمامًا، فالتناشز الإنساني لا يزال قائمًا، والفجوة بين الإدراك والسلوك لم تُفسّر بعد، والاختلال البنيوي لم يُدمج في نموذج علمي شامل. وعليه، فإن “آدم” لا يزال حيًا، لا بوصفه كائنًا تاريخيًا فحسب، بل بوصفه “الاسم” الذي نطلقه على ما لم نفهمه بعد في الإنسان.
لا تدّعي هذه المقالة أن “آدم” هو التفسير النهائي، ولكنها تضع هذا التفسير ضمن احتمالين هما: إما أن “آدم” هو تمثل رمزي دقيق لحدث تطوري لم يُفهم بعد، أو أنه سيظل ضرورة تفسيرية إلى أن يظهر نموذج علمي قادر على تفسير التناشز الإنساني-الحيواني دونما حاجة لافتراض “تحويلة نوعية”. لكن حتى هذه اللحظة، لا يوجد في الأفق العلمي ما يشير إلى اقتراب تحقق الخيار الثاني.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الخطأ الجوهري في أطروحة “موت آدم” لا يكمن في نقدها للسردية الدينية فحسب، بل في افتراضها أن البديل التفسيري قد اكتمل. أما في الأفق الميتابايولوجي، فإن الموقف مختلف بصورة جذرية. فالمقاربة الميتابايولوجية لا تعلن موت “آدم”، ولا تُسلّم به تسليمًا دوغمائيًا، بل تُبقيه مفتوحًا بوصفه مؤشرًا على خلل لم يُفهم بعد. وبهذا المعنى، فإن “آدم” ليس ماضياً يجب دفنه، بل حدًّا معرفيًا لم نتمكن من تجاوزه بعد. وهنا لابد من التشديد على حقيقة مفادها أنه إذا كان العلم يستدعي توفر دلائل وبراهين على أن آدم هو شخصية تاريخية، وأنه قد وضع معايير حدد بموجبها ماهية هذه الدلائل والبراهين، فإن انتفاء وجود هكذا دلائل وبراهين لا يلزم عنه بالضرورة أنه لم يكن لآدم “حضور تاريخي” هو العلة من وراء ما أصبحنا عليه بسببٍ من أكله من تلك الشجرة، الأمر الذي اقتضى أن تشرع آليات فسيولوجية في الاستجابة للمؤثرات التي نجمت عن تلك الأكلة فصيرت الانسان الكائن الذي نعرفه.
