القوةُ هي مَن يصنعُ التاريخ وهي من يُعيدُ كتابتَه

لم يكن التاريخ، في أي مرحلة من مراحله، سجلًا محايدًا للأحداث، ولا أرشيفًا بريئًا لذاكرة الإنسان. بل كان في جوهره نصًا تُحرّره القوة، وتُعيد صياغته كلما تغيّرت موازينها. فالتاريخ لا يُكتب بالحبر، بل يُكتب بالقوة، ولا يُحفظ في الوثائق، بل يُحفظ في موازين الغلبة. ومن هنا، لا تبدو مقولة القائد المغولي تيمور لنك: “القوة هي الحق” مجرد تعبير عن نزعة توسعية أو تبرير للعنف، بل تكثيفًا صريحًا لبُنية عميقة حكمت السرد التاريخي عبر العصور؛ فهي ليست مقولة أخلاقية، وإنما توصيف واقعي لآلية اشتغال التاريخ ذاته. فالقوة لا تكتفي بفرض الوقائع، بل تمتد لتفرض تفسيرها، وتُقصي كل سردية لا تنسجم معها.
فإذا ما عدنا إلى البدايات الأولى لتدوين التاريخ، سنجد أن ما وَصَلَنا ليس إلا ما سمحت به القوة أن يصل إلينا. فالإمبراطوريات القديمة، من بابل إلى روما، لم تكن تكتفي بالسيطرة على الأرض، بل كانت تُعيد تشكيل الذاكرة؛ كانت تهدم أرشيف المهزوم وتبني أرشيفًا جديدًا يُملي كيف يجب أن يُفهم الماضي. وهكذا، لم يكن النصر نهاية الحرب، بل بداية الرواية.
وفي هذا السياق، تكتسب عبارات مثل “ويلٌ للمغلوب” و”التاريخ يكتبه المنتصر” دلالة أبعد من كونها حِكمًا بلاغية؛ إنها قوانين سردية. فالمغلوب لا يخسر أرضه فحسب، بل يخسر صوته، ومعه يخسر حقه في أن يكون جزءًا من الحقيقة. أما المنتصر، فإنه لا يكتفي بامتلاك الحاضر، بل يمتد ليعيد ترتيب الماضي بما يخدم استمرارية سلطته. وتبلغ هذه الظاهرة ذروتها في العصر الحديث، حيث لم تعد القوة عسكريةً فحسب، بل أصبحت معرفيةً وإعلاميةً أيضاً. فالحروب لم تعد تُخاض فقط في ميادين القتال، بل في ميادين السرد. ولعل أوضح مثال على ذلك ما أعقب الحرب العالمية الثانية، حيث لم تُحسم المعركة عند سقوط برلين فقط، بل استمرت في كتب التاريخ.
فهناك سردية سوفيتية-روسية ترى أن الاتحاد السوفيتي هو من دفع الثمن الأكبر في دحر النازية، وأن معارك مثل ستالينغراد كانت نقطة التحول الحاسمة. وفي المقابل، هناك سردية أمريكية-أوروبية تُعلي من شأن إنزال النورماندي، وتُقدّمه بوصفه اللحظة الفاصلة في تحرير أوروبا. وبين هاتين الروايتين، لا يكمن الخلاف في الوقائع بقدر ما يكمن في ترتيبها وفي مركزيتها وفي دلالتها، أي في “كيف تُروى”، وليس في “ماذا حدث”.
وهنا تحديدًا، تتجلى الوظيفة الأخطر للقوة والتي لا تتجلى في خلق الحدث، بل في خلق معناه. فالقوة لا تقول فقط “هذا ما حدث”، بل تقول: “هذا ما ينبغي أن يُفهم”. وبذلك يصبح “الحق” نفسه مادة قابلة لإعادة التشكيل، يُعاد تعريفه بما يتناسب مع موقع القوة. إن أخطر ما في هذا التحول ليس أن القوة تُخفي الحق، بل أنها تُعيد تقديمه في صورة تجعل من الصعب تمييزه عنها. فهي لا تُلغي الحقيقة، بل تُعيد صياغتها، فتُبرز منها ما يخدمها، وتُهمّش ما يعارضها، حتى يبدو وكأن ما تقوله هو عين الحقيقة، لا مجرد رواية عنها. وهكذا، لا يعود السؤال “من على حق؟”، بل: “من يملك القدرة على تعريف الحق؟”.
وفي هذا الأفق، يصبح التاريخ ليس ساحة للبحث عن الحقيقة، بل ساحة للصراع عليها. وتغدو المعرفة نفسها امتدادًا للقوة، وليس نقيضًا لها. فحيثما وُجدت القوة، وُجدت معها القدرة على إنتاج السردية وعلى فرضها وعلى إعادة إنتاجها كلما اقتضت الحاجة. إن القوة، بهذا المعنى، ليست من يصنع التاريخ فحسب، ولكنها كاتبه الأول، وربما محرره الأخير!

أضف تعليق