في دحضِ وتفنيدِ زعمِ القائلين بعظَمَة الإنسان

كولن ولسن يقول: “الفضائيون لا وجود لهم، لأن الفضائيين هم نحن”؛ ولكن السؤال هنا هو: “من نحن؟”. نحن الذين لا نعرف حتى لماذا نحلم؟ نحن الذين نعجز عن تفسير وعينا؟ نحن الذين نخاف من الظلام ثم نفسره؟
إن هذا ليس تحليلًا، بل انفجار نرجسي مغطى بلغة فلسفية. وهذه جناية فلسفية كبرى فحواها ليس إنكار وجود الفضائيين، بل الادعاء الضمني بأن “ما لا ينبع من الإنسان لا وجود له”. فهذا ليس فكرًا، ولكنه “إعلان احتلال”: احتلال الكون لصالح الإدراك البشري، واحتلال الغيب لصالح اللاوعي، واحتلال الآخر لصالح الذات. وهكذا، يصبح الكون كله مجرد حلم بشري وعرَض داخلي وصدى نفسي. أي يصبح الكون أسيراً لدى الإنسان.
ففي أوروبا القرون الوسطى، قالوا: إذا كان الله قد خلق الإنسان على صورته، فإن صورة الانسان ينبغي أن تكون المرجع الذي يحتكم إليه بشأن مجريات الوجود وأحداثه. ولقد أدى هذا الإعلاء من شأن الإنسان إلى المبالغة في تعظيمه حتى أضحى الانسان محور الكون الذي هو، كما كان يزعم اللاهوت الأوروبي القروسطي، النموذج الأصغر للعالم الأكبر. وبالتالي فلقد أعيدت صياغة المقولة الشهيرة “كما هو في الأعلى كذلك في الأسفل” لتصبح “كما هو في الأسفل كذلك في الأعلى”، وذلك في إشارة الى العالَم بصفته “الكون الأكبر” الذي صنعه الله، بزعمهم، نموذجاً عن الانسان (الكون الأصغر). أما اليوم فإن كولن ولسن يقول: كل شيء هو نتاج اللاوعي. ولكن، هل هناك فرق بين هذا الزعم وبين ما انتهى إليه اللاهوت الأوروبي القروسطي؟
في حقيقة الأمر لا فرق هنالك بينهما على الاطلاق. فما يجمع بين هذين الزعمين هو هذا التعظيم للإنسان والذي هو في حقيقته لا يختلف على الإطلاق عن القول بتأليهه. وهذا ليس تحررًا من الميتافيزيقا، بل هو “ميتافيزيقا مقنّعة”. وهذه الميتافيزيقا المقنعة تتمثل في الحقيقة التي مفادها أن الإنسان كلما واجه شيئًا لا يفهمه، فإنه يفعل أحد أمرين: إما أن يقوم بنفيه وإقصائه، أو يعيد تشكيله على صورته. وهذا بالضبط ما فعله كولن ولسن؛ فبدل أن يقول “لا نعرف”، قال “نعرف، لأنه نحن”. وهنا يتحول التفسير إلى عملية التهام: فالظاهرة لا تُفهم، بل تُبتلع. والآخر لا يُدرس، بل يُختزل. و”غير المألوف” لا يُقبل، بل يُعاد تصنيعُه.
والآن، لنقُلها بوضوح: إن الإنسان ليس مؤهلًا ليحكم على ما يتجاوز تجربته، ليس لأن الكون معقد، بل لأن الإنسان “مُعطّل بنيويًا”. فبعد التحويلة التطورية الأولى، لم يعد الإنسان كائنًا يرى العالم، بل كائنًا يرى نسخته عن العالم. وهذه النسخة “مشوّهة” و”انتقائية” و”مشحونة بالخوف” و”مليئة بالإسقاط”. أي أن كل حكم يصدره الإنسان عن “ما يمكن أن يوجد”، هو في الحقيقة حكم على حدود معرفته، وليس حدود الكون.
فالكون ليس إنسانيًا أو قابلًا للفهم، وهو غير ملزم بأن يظهر لك بصيغة تستطيع إدراكها. ولكن أين يكمن الرعب الحقيقي؟ إن الرعب الحقيقي لا يتمثل في وجود كائنات فضائية، ولكنه يتمثل في الحقيقة التي مفادها أن هناك إمكانية لوجود كائنات وأحداث تجري من حولنا يتعذر علينا أن نحيط بها علماً.
إن ما تقدم بيانه لا يمثل هجومًا على كولن ولسن، ولكنه يمثل هجوماً على أفكار سبقته بكثير. ويتركز هذا الهجوم على الزعم القائل بأن الانسان هو مركز المعنى. فنحن لسنا المركز، بل الحافة. ولسنا المقياس، بل الخطأ، ولسنا نافذة على الكون، بل تشويش داخله. ولهذا، فإن السؤال ليس: “هل الفضائيون موجودون؟” بل:
“ما الذي يجعل هذا الكائن المختل، الذي نسميه الإنسان، يعتقد أنه قادر أصلًا على الإجابة؟”.

أضف تعليق